ثلاثية الخميس

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

ثلاثية الخميس

سموا الأشياء بمسمياتها
قام الإستعمار بوجهه الإستيطاني القبيح بهزيمة العالم العربي والإسلامي بوطأة الأسلحة المحرمة دوليًا، وهدموا كل الأنظمة الوطنية لتلك الدول ومزقوها بالحدود المتخيلة على طريقة (فرّق تسد)، واستنزفوا الموارد فلم يستبقوا شيئًا. وعندما خرجوا أبقوا على تلك العواصم الممزقة وكلائهم سادة وحكاما، من الذين تمت تربيتهم وتدريبهم على يد الصليبيين والصهاينة. وأخطر ما تم من مؤامرة كانت حركة التغريب ومسخ منظومة القيم للشعوب، حتى أصبح معيار التحضر عند تلك النخب الممسوخة أن تلبس زيهم وتتحدث لغتهم وتحاكي فجورهم المخبؤ والمعلن، وفتحوا البارات وبيوت الدعارة والمراقص وصالات القمار وأشاعوا الربا على رؤوس الأشهاد ومكّنوا له بالممارسة والقانون. ولخداع الجماهير أصبحوا يُلبسون قيمهم المستوردة والمزيفة عبارات وشعارات خادعة تدمّر الثوابت وتنافق المشاعر الساذجة، فأصبحت العلمانية هي العبارة المتداولة إعلاميًا، بديلًا عن ثوابت الإسلام وقوانينه وتشريعاته وأخلاقه ودوره الحركي في إعمار الحياة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإعلاميا وفنيا ورياضيا، وإحالة المصطفى صلى الله عليه وسلم من رسول وحاكم ومشرّع إلى مجرد درويش في غياهب التصوف السلبي والتعاويذ التمتمات، لتخلو لهم الحياة.
ومن اللطائف التي تُروى في مجتمعات السودان فضحًا لهذه الحيلة أن مصنع البيرة في السودان تمت تسميته بمؤسسة التقطير الوطنية خوفًا من الاسم الحرام الصادم، وتم تعيين أحد المهندسين السودانيين مديرًا له بامتيازات ضخمة: فيلا فاخرة، وسيارتان، وراتب مفتوح، وأشياء أخرى لا تُقال. وفي أول يوم للتعيين وتوقيع العقد زار والده العامل البسيط بإحدى حارات أمدرمان الزاهدة المستعصمة بعزها القديم. قال لوالده في زهو وابتهاج : لقد تم تعييني مديرًا لمؤسسة التقطير الوطنية بامتيازات غير محدودة، وهذه سيارتي الفاخرة تقف في الخارج، وأرجو أن تزورني أنت والوالدة وإخواني وأخواتي في الفيلا الفاخرة في ضاحية الخرطوم حيث الأعيان والأثرياء.
وكانت صدمة الابن بالغة زلزلت كيانه حين رفع والده العامل رأسه في شموخ وقال له بلغة صارمة رغم حزنها: يا خسارة! فبعد كل هذا الجهد والكد والعرق الذي بذلته في تربيتك وتعليمك تطلع لي (ست إندايه؟!). حينها أفاق الابن من غفلته، وخرج مهرولًا صوب السيارة لا يلوي على شيء، ليكون أول يوم عمل له في مصنع البيرة استقالته المزلزلة وحكايته التي أصبحت حديث المدينة. فهل ترغب، عزيزي القارئ، في إماطة اللثام عن عبارات من شاكلة العلمانية والمثلية والدولة الوطنية والتطبيع والجندرة وحقوق الإنسان؟
حاشية: (ست الإندايه) هي المرأة الساقطة التي تدير في أطراف القرى والمدن محلًا لبيع الخمور البلدية. ولمزيد عن الإنداية والعرقي والمريسة الرجاء الاستفادة من فتاوى وزير العدل السابق في حكومة الديسمبريين (نصر الدين مريسة).

المرافعة المضادة قولاً وفعلاً

من الوصايا التي نزجيها للذين يعملون بدوائر الملوك والرؤساء والسلاطين والحكام من أهل النفوذ والجاه والثروة أن يتحوطوا دائماً بمرافعات مضادة لما يدفع به هؤلاء الكبار في لحظات غضبهم، وفي كثير من الأحيان فإن غضبة أصحاب الشأن تقلق الردود وتصيب حتى أهل البلاغة بالصمت الحبيب والمريب فيفقدون مواقعهم ورتبهم ومستقبلهم وللأسف فهم في كثيراً ما يُخلون هذه المواقع لمن هو أدنى منهم رتبة وخبرة وأخلاقاً ، فيفقدونهم ويفقد السلطان ويفقد الشعب الكثير.
ومن المرافعات المضادة التي أعجبتني مرافعة الفارس والقائد والشاعر معن بن زائدة في مواجهة غضبة الخليفة أبو جعفر المنصور وهو سلطان قل ما أفلت من قبضته أحد، تقول الحكاية:
كان معن بن زائدة الشيباني أحد قادة والي العراق زمن الأمويين يزيد بن هبيرة، فلما اندلعت الثورة العباسية ووصلت جيوشها إلى العراق عام 749م إستبسل معن الشيباني في قتال العباسيين والدفاع عن الدولة الأموية، لدرجة وصلت روايات بأنه هو الذي قتل قائد الجيوش العباسية قحطبة الطائي، وكذلك قاد عدة معارك وحركات تمرد ضد العباسيين، فجد الخليفة العباسي أبو العباس السفاح وأخيه أبو جعفر المنصور في البحث عنه.
وعندما تولى الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور الحكم، إستمر في البحث عن معن بن زائدة الشيباني وكان يرسل للولاة رسائل بشكل مستمر يأمر فيها بأن يعثروا عليه وأعلن المكافآت المالية لتحقيق هذا الأمر، حيث كان أبو جعفر المنصور ينظر لمعن بن زائدة نظرة الخطر متحرك الذي قد يقود ثورة ضده، وكذلك ينظر له بنظرة الخصم الذي أضر بالجيش العباسي زمن الثورة.
وأما معن الشيباني فخلال سنوات هروبه وإختفائه عاش لسنوات في الصحراء، لدرجة أن وجهه تغير لشدة حرارة الشمس، واستمر معن في الصحراء إلى أن إبتكر خطة للإختباء، وهي بأن يقوم أحد معارفه الموثوقين بشراء بيتاً له بجوار قصر الخليفة المنصور، (ويبدو أن الراحل عبدالخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي قد أخذها من معن بن زائدة فحين كان يجد جعفر نميري في القبض عليه كان الرجل مختبئاً في بيت العميد عثمان حاج حسين أبو شيبة قائد الحرس الجمهوري والذي كان مكتبه مجاوراً لمكتب جعفر نميري ولم يخرج عبدالخالق من مخبئه إلا حين إشهار الإنقلاب المشؤوم في يوليو 71 والذي راح ضحيته عدد مقدر من القيادات المدنية والحزبية وهذا باب يطول) وبالفعل تم شراء البيت، ونجح معن الشيباني في التسلل له والسكن فيه، وبقي معن حبيس هذا البيت، وخادمه يتصرف أمام الناس بصفته صاحب المنزل.
وأما أبو جعفر المنصور فاستمر بالإرسال لولاته أوامرا بالعثور على معن، ولا يخطر ببال المنصور أن عدوه يسكن بجواره، واستمر الوضع على هذا الحال إلى عام 759م، حيث في إحدى الليالي إستيقظ معن على أصوات غريبة قادمة من أمام قصر الخليفة، وحينما نظر من النافذة، وجد جماعة من الفرس الرواندية يحملون في الوسط رجل يتشبه بالخليفة المنصور في ملابسه وجلوسه على عرشه، وأما البقية فيدورون حوله ويهتفون: (أبو جعفر يا منصور يا رب البيت المعمور).
قال ابن جرير: فأتوا يوما قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون: هذا قصر ربنا، وتظن هذه الجماعة الرواندية بأنهم عندما يكفرون بتأليه المنصور سيقوم المنصور بتقريبهم وتعيينهم في المناصب، وأما المنصور فعندما رآهم استهان بهم وأخذ معه عدد قليل من الحرس وخرج ليقتلهم بنفسه.
وعندما خرج المنصور وحرسه ووقع القتال، تفاجأ المنصور بأنهم مسلحين وماهرين في استعمال السيوف فكاد أبو جعفر المنصور يلقى حتفه في تلك الليلة، ودارت المعركة أمام قصر الخليفة ومعن ينظر لها من النافذة ويشاهد الخليفة وهو يقاتل بنفسه، وأصبح في داخل معن رأيان، الأول أن يبقى مراقباً فإذا إنتصر الخليفة يبقى آمنا وإذا قُتل الخليفة يستريح من عدوه، وأما الرأي الثاني والذي يحركه النخوة فهو أن يخرج ويقاتل بجانب الخليفة المنصور فمال معن للرأي الثاني، فحمل سيفه ولبس خوذة تخفي وجهه، وخرج من بيته وقاتل في صف الخليفة، وذهب للخليفة المنصور وقال له: “يا أمير المؤمنين ارجع! نحن نكفيكهم”، فرفض المنصور الرجوع واستمر في القتال راجلاً، واستبسل معن في القتال فقتل عدد كبير من الرواندية مرتدياً القناع الحديدي، وانتبه له الخليفة وحار في هويته، فكان النصر على يده، وانتهت المعركة بإبادة الرواندية.
وبعد إنتهاء المعركة ترك المنصور كل شيء وخاطب معن قائلا: ويحك، من تكون؟
فكشف معن لثامه، وقال: أنا طلبتك معن، فسُر المنصور به، وقدمه وعظمه، وأسكنه في قصره الأشهر، ثم قام المنصور بتعيين معن واليا على اليمن، واستمر معن واليا على اليمن حتى عام 768م ، وبعد ذلك قام المنصور بتعيين معن بن زائدة الشيباني والياً على السند والتي تُعاني من تمرد الخوارج، ونجح معن في قمع الخوارج وإنهاء تمرد سيستان واستمر حاكماً على ولاية السند إلى أن قُتل غدرا عام 770م على يد رجال من الخوارج دخلوا قصره لمقابلته بحجة أن لهم مظلمة.
وبعد مقتله قام المنصور بإكرام أبنائه فقام بتعيين إبنه زائدة بن معن واليا على اليمن، وأما إبنه الآخر شراحيل بن معن فعينه أواليا على السند وجعله أحد قادة الجيش، وكثر الولاة والقادة من القبيلة الشيبانية في زمن الدولة العباسية، (ونرجو أن يكون وزير خارجية سوريا أسعد حسن الشيباني أحد أحفاد هذه الأرومة الكريمة المجاهدة).
أما قصة القصيدة والمرافعة فهي أنه دخل يوماً على الخليفة المنصور فقال له:
هيه يا معن أتعطى مروان بن أبي حفصه مائة ألف درهم على قوله:
‬‭ ‬‬
مَعنُ بنُ زائِدَةَ الَّذي زيدَت بِهِ
شَرَفاً عَلى شَرَفٍ بَنو شَيبانِ

فقال معن : كلا يا أمير المؤمنين إنما أعطيته على قوله:
ما زِلتَ يَومَ الهاشِمِيَّةِ مُعلِماً
بِالسَيفِ دونَ خَليفَةِ الرَحمانِ
فَمَنَعتَ حَوزَتَهُ وَكُنتَ وِقاءَهُ
مِن وَقعِ كُلِّ مُهَنَّدٍ وَسِنانِ
قال المنصور: أحسنت يا معن فإين شئت فامنحه مئة ألف أخى عن طيب خاطر منك أو من الخليفة.

الخرطوم وإن طال السفر

الأخ البروف كامل الطيب إدريس إذا عاتبوك لماذا عدت للخرطوم ولم يكتمل بعد البناء والنماء والكهرباء والماء فعليك بإجابة الإعرابي في حب بلاده رغم الجدب والفقر وبؤس الطبيعة، قيل لإعرابي: كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتعل كل شيء ظله؟ فقال: وهل العيش إلا ذاك؟ يمشي أحدنا ميلاً فيرفض عرقاً كأنه الجمان ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساه وتقبل الرياح من كل جانب فكأنه في إيوان كسرى.