
صلاح دندراوي يكتب: تحرير الجزيرة .. كنا شهود عيان (1_ 2)
نقطة ضوء
صلاح دندراوي
تحرير الجزيرة .. كنا شهود عيان (1_ 2)
تحرير الجزيرة ليس حدثا عابرا ولا إحتفالا تقليديا، وإنما هو حزمة من الأحداث وكم من المترادفات التي جعلت منه واقعا متميزا.
فكونه أن الجزيرة تسقط في أيدي الجناة فهذا في حد ذاته فاجعة بحكم أن الجزيرة تمثل صرة السودان ومركز ثقله في السياسة، والثقافة، والاقتصاد، والرياضة، وحتى الإجتماعي، فهي ولاية متفردة تضم كل العناصر الحية التي تشكل المجتمعات.
لقد ساقتنا الأقدار وأسرتي أن نوجه خطانا صوب ولاية الجزيرة بعد أن تداعت الخرطوم، بدأنا بقرية سليم بمحلية الحصاحيصا التي قضينا فيها أعذب أيامنا ونحن في حضن الكرم والمروءة والعافية، وسليم لم تكن قرية نائية فحسب بل كانت مصدر إلهام وهي تتصدى للمعتدين ورأينا كيف أن شيبها وشبابها وحتى نسائها وأطفالها وقفوا سدا منيعا في وجه العدو يقدمون الشهداء والجرحى في سبيل أن تبقى سليم طاهرة من دنس المعتدين، وعشنا معهم أياما مفعمة بالتضحية والفداء إستعصت على العدو أن يدخلها، قبل أن نشد الرحال إلى المناقل والتي مثلت قلعة الصمود، بل كانت النواة والأرضية التي إنطلقت منها تحرير الجزيرة، فقد إحتضنت حكومة الولاية بعد سقوط مدني، ورغم أنها كانت محاصرة من كل الجهات ومساحات التحرك فيها كانت لا تتعدى 25 كيلو متر، إلا أنها صنعت الحدث، حيث فضل واليها الطاهر إبراهيم الخير أن يكون في قلبها ويدير شؤون ولايته من داخلها، وكانت برفقته لجنة أمنية يقظة يقودها رجال أكفاء، قائد الفرقة الأولى مشاة اللواء ركن عوض الكريم علي سعيد، ومدير الشرطة اللواء عبد الإله علي أحمد، ومدير المخابرات بالولاية اللواء عماد الدين سيد أحمد، ومدير العمليات اللواء أبو عبيدة والعقيد ياسر والمقدم معتز، وكم من القيادات العسكرية، ويقف خلفهم شعب المحلية وقادتها المدنيين منهم الشيخ أبو ضريرة وجموعة ورهط من رجال الأعمال الذين ما بخلوا في تقديم السند والعون، بجانب تيم إعلامي يقظ عرف كيف يدير المعركة الإعلامية بوعي وثبات. كل تلك العوامل تضافرت لتصنع جبهة لمواجهة المتمردين، فكان نداء الوطن لجموع الشباب أن هلموا إلى المعسكرات، فتدفق الشباب نحو المعسكرات حتى ضاقت عن إستيعابهم، وبدأ فصل جديد من الجاهزية والعاصمة الإدارية المناقل معها القرشي وهما المحليتات اللتان بقيتا صامدتين من أصل الثماني محليات. فإنتظمت كرنفالات التخريج وبدأت المقاومة الشعبية تنطلق حماية للأرض والعرض.
وكان ذاك التناغم والإنسجام بين قيادات الولاية وقيادات الدولة حيث كانت مروحيات القادة ما تننقطع، فما أن يحل قائد القوات المسلحة ورئيس مجلس الإدارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلا ويعقبه نائبه في القوات المسلحة الفريق اول شمس الدين الكباشي. ورجال المخابرات، وهكذ كان الإمداد المتصل للقوات والسلاح، حتى تأتى هذا النصر. ووالي الجزيرة ولجنته الأمنية ما ينفكون يديرون شأن الولاية العسكرية ولا يغفلون الجانب المدني فيما يمكن من توفيره من خدمات، لينقضي عام من الصمود والبذل والعطاء لتجئ البشريات بتحرير أجزاء من الولاية ليجئ الدور على حاضرة الولاية مدني، ففي هذا اليوم الموافق الحادي عشر من من يناير 2025م ونحن وفد رسمي وإعلاميون، ونحن عائدون من الحاج عبد الله في معية والي الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير ولجنة أمن الولاية بغرض تقديم التهاني لمواطنيها بالانتصارات، إذ يتناهى لأسماعنا دخول الجيش لمدني فما كان من والي الولاية إلا أن أمر الوفد بالتوجه مباشرة لحاضرة الولاية مدني وما زالت المعارك دائرة، ورغم ممانعة بعض المعنيين بأمر الأمن إلا أنهم رضخوا لإصرار الوالي ليتوجه الوفد في معية متحرك سنار صوب مدني، ليتعرض المتحرك لمواجهة حامية من قبل المليشيا أستخدمت فيها كافة أنواع الأسلحة الثقيلة ليحسم الأمر لصالح قواتنا المسلحة لنقضي ليلتنا تلك في ميدان المعركة بأم سنط، لنتوجه فجرا إلى حضن مدني والتي كانت يوما مدينة للأشباح لا حركة فيه ولا حياة إلا لعربات القوات المسلحة والمساندة لها التي دحرت المتمردين فترى جثث الأعداء تزدحم بهم الطرقات، وكتل الدخان تتعالى من حرائق مركبات الأعداء الذين فروا أمام صناديد جيشنا، لندخل الفرقة الأولى فاتحين ليتعرض الوفد أيضا لوابل من الرصاص من قبل بعض القناصين الذين يعتلون أسطح البنايات فتم التعامل معهم وأبادوهم، لتتشكل ملحمة الأفراح عند كبري البوليس حيث تجمعت كل القوة التي دخلت مدني ملتحمة مع شعب الولاية المتواجد بها في تمازج ينبئ عن أصالة شعب وإنتصار أمة، وتكون محطتنا بعدها أمانة الحكومة ليبدأ فصل جديد من الحياة.
ونواصل في حلقتنا القادمة بقية المعارك التي خاضتها الولاية في إعمار ما دمرته الحرب وتطبيع الحياة.