
الحاج الشكري يكتب: والي الخرطوم .. قصة نجاح يخلدها التاريخ
نقطة وسطر جديد
الحاج الشكري
والي الخرطوم .. قصة نجاح يخلدها التاريخ
تعود قصتنا مع الأستاذ أحمد عثمان حمزة، والي ولاية الخرطوم، إلى بداية الحرب، والمليشيا الإرهابية تضرب المواطنين بالدانات في كل الاتجاهات، حتى أصبحت كل الأجواء مشحونة بالتوتر والقلق، فنزح الملايين من أبناء العاصمة إلى داخل السودان وخارجه، ولعل هذا واحد من أهداف المليشيا التي بسطت سيطرتها على العاصمة، إلا مساحة ضيقة في محلية كرري ظل يتواجد فيها والي ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، والمدير التنفيذي لمحلية كرري الأستاذ أحمد المصطفى، وظل الأحمدان يمارسان سلطاتهما الدستورية من داخل كرري الصمود، كما يحلو لأهلها وساكنيها إطلاق هذا الاسم. الأمر الذي أغضب قائد المليشيا المجرم المتمرد محمد حمدان دقلو، فقال في مقطع صوتي مشهور: سنلقي القبض على والي ولاية الخرطوم في الأيام القادمة، والوالي مؤمن بربه وعدالة قضيته، ولذلك لم تزده هذه التهديدات الجوفاء إلا ثباتًا وإصرارًا على الحركة والوصول إلى المواطن وتقديم يد العون له. وهذا ما أكده لنا بيانًا بالعمل، ففي مثل هذه الأجواء، وفي قمة التدهور الأمني، قدمنا له دعوة لزيارة مدينة الصحفيين بالثورة الحارة ١٠٠ ليقف على حال المدينة وساكنيها من الزملاء الصحفيين وعموم المواطنين. استجاب الأخ الوالي للدعوة بدون تردد، وحضر كعادته في الوفاء بعهده في الموعد المحدد، وكانت هذه الزيارة نقطة تحول كبيرة في مسيرة مدينة الصحفيين. وللأمانة والتاريخ ما قدمنا لهذا الوالي الكريم طلبًا في مصلحة المواطنين إلا استجاب له، بل وأشرف عليه بنفسه، مما جعل مركز صحي الصحفيين يكتمل في فترة قصيرة جدًا لم تتجاوز الشهرين، بعد أن كان ينعق فيه البوم وتتبول فيه الكلاب الضالة، وكانت الشركة التي رسا لها العطاء تعمل ليل نهار وتخشى محاسبة الوالي، والذي عُرف بأنه الوالي الميداني الأول على مستوى السودان. أيضًا في يوم الزيارة تلك اصطحبنا الأخ الوالي لمسجدنا، فكان تبرعه بفرش المسجد، فكان حقه علينا أن نشهد له بالإيمان لأنه نال من القرآن الكريم نصيبًا، قال تعالى في محكم تنزيله: (إنما يعمر مساجد الله من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) صدق الله العظيم.
أما مدارس الصحفيين فتلك كانت قصة أخرى حكيتها من على خشبة المسرح عندما قدمت كلمة الزملاء الصحفيين في ختام الدورة المدرسية لوحدة كرري شمال أمس، والتي شرفها الأخ الوالي بالحضور، وتلك الكلمة رغم أنها وجدت الإشادة من الزملاء والحضور، ولكنني أرى إنها قاصرة دون حق الوالي ودون قامته، ولولا أنني حديث عهد بعملية في الحبال الصوتية، ونصحني الطبيب بتقليل الكلام وخفض الصوت، وكذلك لولا ضيق البرنامج، لتحدثت عن فضل هذا الوالي أكثر فأكثر. والقصة تُحكى كما هي عندما وقف الأستاذ أحمد عثمان حمزة، والي ولاية الخرطوم، قبل عامين تقريبًا في أرض هذه المدارس، تحسر من أعماق قلبه أن تكون مدارس الصحفيين بهذا الشكل، فصلين ومكتب بدون سور، في تلك اللحظة أصدر قرارًا بإكمال المدرستين بنين وبنات في آنٍ معًا. وفي فترة وجيزة وقاسية اكتملت المدارس بشكل رائع مع شركة جارة، التي يديرها رجل مخلص في عمله، وهو المهندس النور بابكر الشريف، فكانت مدارس الصحفيين بهذه الروعة لدرجة تجعلها تصلح كليات جامعية، دعك من مدارس ابتدائية، ولهذا اتخذت منها وحدة تعليم كرري شمال مقرًا لها، ودفعت إدارة التعليم بواحد من أميز الكوادر تجربة وخلقًا لإدارة عمل الوحدة من هنا من مدارس الصحفيين، ألا وهو الأستاذ علي موسى قسم السيد، وأذكر هنا أن إحدى الموجهات الكريمات ركبت ركشة لحضور اجتماع خاص بالتعليم ومنعقد في رئاسة الوحدة بمدارس الصحفيين، ذكرت لنا بأنها عندما وصلت المدارس دخلت في مشادة كلامية مع سائق الركشة بأن هذه لم تكن مدارس الصحفيين، واتهمته بأنه طش شبكة، وأصرت على قولها بأن من المستحيل أن تكون هذه هي مدارس الصحفيين التي شاهدتها قبل الحرب بشهر، فصلين فقط بدون سور، وبعد أن تأكدت بأن هذه هي مدارس الصحفيين وحكت لنا في المكتب القصة، قلت لها: كلامك صحيح، وإن ما تحقق مستحيل مع المسؤولين والولاة السابقين، ولكن رجل الدولة التنفيذي الميداني الأستاذ أحمد عثمان حمزة، والي ولاية الخرطوم، ليس مع إرادته وصدقه مستحيل.
ولروعة هذه المدارس وبيئة العمل فيها تم اختيارها لحفل ختام الدورة المدرسية لوحدة كرري شمال، بمشاركة تسعة عشر مدرسة، وبما إننا الجهة المستضيفة للبرنامج تم تكليفنا مع فِقَر الوراقين بكل الضيافة للمسؤولين والضيوف الكبار والمعلمين والطلاب والطالبات المشاركين والفائزين من المدارس، وإعداد المكان والصيوان، واجتهدنا لإحضار فرقة موسيقية نستقبل بها الأخ الأستاذ أحمد عثمان حمزة، والي ولاية الخرطوم، بشكل يليق بمكانته، ثم وجهنا الدعوة له. ولما يحمله لنا الأخ الوالي من تقدير قبل واستجاب للدعوة رغم ازدحام برنامجه، الذي لم يسمح له حتى لتناول وجبة طعام تم إعدادها له ووفده الكريم، حتى مازحني الزميل والصحفي الكبير الأستاذ صلاح التوم، من الله، أن ما جهزتموه من مائدة للوالي بهذا التنوع وهذا الحجم لم أشاهده في حياتي إلا نادرًا، قلت له: يستحق أكثر من هذا، لكن الزمن وبرنامج الوالي الضاغط هو الذي حرمنا من مشاركته لنا ووفده الطعام، وحرمنا كذلك من فقرة تكريمنا له ولبعض الشخصيات. ولكن يكفي أنه حضر تقديرًا لدعوتنا واحترامًا لمكان الصحفيين في نفسه، ولا يعرف الفضل إلا أهل الفضل. شرفنا أيضًا في هذا الاحتفال الأستاذ المربي والعالم المتواضع دكتور قريب الله محمد أحمد، مدير عام وزارة التعليم والتربية الوطنية والوزير المكلف بولاية الخرطوم، كما شرفنا أيضًا قريب الوجدان والمهنة الأستاذ الطيب سعد الدين حسان، مدير عام وزارة الثقافة والإعلام والوزير المكلف. كما سبق الوالي بالحضور الأستاذ أحمد المصطفى علي، المدير التنفيذي لمحلية كرري، يتقدمه عطره ويتزيّا بزي الضباط التنفيذيين الذي ازداد سلطة ووسامة ووجاهة في السنوات الأخيرة من عمر البلاد، وذلك لما حققه أصحاب هذا الزي من نجاحات وكسب قلوب الناس. وشرفنا أيضًا الرجل الخلوق دكتور حامدنو، مدير مرحلة الأساس بوزارة التعليم والتربية الوطنية، كما شارك بالحضور الأنيق الأستاذ عبد الرحمن حسين حسب الرسول، مدير الشؤون التعليمية بمحلية كرري. وهناك آخرون شاركوا بالحضور لا تسعهم هذه الزاوية، ولكن يسعهم القلب، فلهم كل الشكر والتقدير والاحترام، لأنهم جعلوا يومنا في مدينة الصحفيين يومًا مختلفًا ورائعًا، ويكفي أنه أنعش لنا الذاكرة لنكتب قصة نجاح يخلدها التاريخ.