
القاهرة .. اجتماعات مكثفة لأجل سلام السودان
القاهرة .. اجتماعات مكثفة لأجل سلام السودان
تقرير: مجدي العجب
في لحظةٍ إقليميةٍ بالغة الحساسية، تتقاطع فيها مسارات السياسة والدبلوماسية مع حقائق الميدان، تبدو القاهرة اليوم مركز ثقلٍ فاعل في إعادة ضبط بوصلة التعاطي الدولي مع الأزمة السودانية، بعد أن سقطت أوهام الحسم السريع التي راهنت عليها مليشيا الجنجويد ومن يقف خلفها إقليميًا، وعلى رأسهم دولة الإمارات. فبعد شهور من الحرب ومحاولات فرض الأمر الواقع بالقوة، أثبتت التطورات أن المشروع القائم على تفكيك الدولة السودانية وكسر جيشها الوطني قد فشل، وأن السودان، رغم الجراح، ما زال عصيًا على السقوط، بفضل تماسك مؤسساته العسكرية والتفاف قطاعات واسعة من شعبه حول جيشه كضامن لوحدة البلاد وسيادتها. ويأتي استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في هذا التوقيت، ليعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا بأن مفاتيح الحل في السودان لا تمر عبر المليشيات ولا عبر داعميها، بل عبر الدول التي تؤمن بالدولة الوطنية وجيوشها النظامية.
تأكيد القاهرة، خلال اللقاء، على دعمها الكامل لكل الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، وتمسكها بوحدة وسيادة السودان، يبعث برسالة واضحة مفادها أن الأمن القومي السوداني جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة، وأن أي محاولة للنيل منه ستظل مرفوضة سياسيًا وأخلاقيًا. وفي السياق ذاته، تتصدر القاهرة المشهد مرة أخرى برئاستها الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز تنسيق جهود السلام في السودان، وسط حضور إقليمي ودولي كثيف، في دلالة إضافية على انتقال الملف السوداني من مربع العبث المسلح إلى ساحة الحلول السياسية الجادة. فبينما تتآكل خيارات مليشيا الجنجويد بعد انكشاف عجزها عن السيطرة على البلاد أو كسب شرعية داخلية أو دولية، تتعزز المقاربات التي تنادي بوقف نزيف الدم، ودعم مؤسسات الدولة السودانية، وفي مقدمتها الجيش، باعتباره العمود الفقري لأي تسوية تحفظ للسودان وحدته، وتصون لشعبه حقه في دولة آمنة ذات سيادة، بعيدًا عن مشاريع الفوضى والتدخلات الإقليمية المشبوهة.
تجفيف دعم المليشيا الخارجي
ويكتسب استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية دلالةً خاصة، إذ يعكس تنامي قناعة دولية بأن إنهاء الحرب في السودان يبدأ من وقف الرهان على الجنجويد وتجفيف دعمها الخارجي، وتأكيد وحدة وسيادة السودان كخط أحمر. ويتكامل هذا الموقف مع رئاسة القاهرة للاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز جهود السلام، في رسالة واضحة بأن مسار الحل السياسي الجاد لا ينفصل عن دعم الجيش السوداني بوصفه العمود الفقري للدولة والضامن الوحيد لاستقرار البلاد. هكذا، وبين فشل المليشيا وصعود منطق الدولة، يدخل السودان مرحلة جديدة عنوانها: لا سلام بلا جيش، ولا دولة مع المليشيات.
السيسي ومستشار ترامب
واستقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مسعد بولس، كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة للشئون العربية والأفريقية، بحضور وزير الخارجية والهجرة بدر عبد العاطي، ورئيس المخابرات العامة اللواء حسن رشاد، إلى جانب عدد من مسؤولي السفارة الأمريكية بالقاهرة. ونقل بولس للرئيس السيسي تحيات وتقدير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما رحّب به الرئيس، مؤكداً خصوصية الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، وحرص القاهرة على مواصلة تعزيزها بما يخدم مصالح البلدين. وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن اللقاء تناول تطورات الأوضاع في السودان، حيث أكد الرئيس السيسي تقديره لحرص الرئيس الأمريكي على إنهاء الحرب، مشيراً إلى دعم مصر الكامل لكل الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار في السودان الشقيق. وجدد الرئيس موقف مصر الثابت الداعم لوحدة وسيادة السودان وسلامة أراضيه، ورفضها القاطع لأي محاولات تستهدف النيل من أمنه، انطلاقاً من الارتباط العضوي بين الأمن القومي في البلدين. كما شمل اللقاء التباحث حول عدد من القضايا الإقليمية الأخرى، حيث برز توافق واضح في الرؤى بين القاهرة وواشنطن بشأن ضرورة خفض التصعيد والعمل على حلول سياسية مستدامة للأزمات التي تمر بها دول المنطقة، بما يحفظ سيادتها ويصون مقدرات شعوبها.
مصر تسحب البساط
وقالت وزارة الخارجية المصرية، إنها استضافت الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز تنسيق جهود السلام في السودان بمشاركة واسعة من وفود الدول والمنظمات الإقليمية والدولية. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مخاطبته الاجتماع، إن الأزمة السودانية تستدعي تضافر الجهود الدولية والإقليمية المخلصة للإسراع بوقف نزيف الدماء مشددًا على خطورة المرحلة الراهنة وما تحمله من تداعيات جسيمة على السلم والأمن الإقليميين.
وسقط رهان أبوظبي
ويقول الاكاديمي والمحلل السياسي د. محي الدين محمد محي الدين ان ما يجري على الأرض وفي أروقة الدبلوماسية يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك فشل مليشيا الجنجويد وداعميها الإقليميين في فرض مشروع السيطرة على السودان، موضحًا في حديث ل (ألوان) أن رهان إسقاط الدولة عبر المليشيات المسلحة سقط أمام صمود الجيش السوداني وتماسكه كمؤسسة وطنية. ويشير إلى أن التحركات المصرية والدولية الأخيرة تعكس تحوّلًا نوعيًا في مقاربة الأزمة، يقوم على دعم الدولة الوطنية ورفض شرعنة العنف والفوضى، لافتًا إلى أن أي حل سياسي حقيقي لن يكتب له النجاح ما لم ينطلق من الحفاظ على وحدة السودان وسيادته، وإنهاء التمرد، وتجفيف منابع الدعم الخارجي للمليشيات، باعتبار ذلك المدخل الوحيد لاستعادة الأمن والاستقرار وبناء سلام مستدام.
سيادة الدولة السودانية
ويؤكد الأكاديمي والمحلل السياسي د. محمد تورشين أن التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة كشفت بوضوح تراجع نفوذ مليشيا الجنجويد وفشلها في تحقيق أي مكسب استراتيجي حاسم، سواء عسكريًا أو سياسيًا، موضحًا في تصريح خص به (ألوان) أن تعاظم دور القاهرة في ملف السودان يعكس إدراكًا دوليًا بأن استقرار البلاد لا يمكن أن يتحقق إلا عبر دعم الجيش السوداني كمؤسسة شرعية جامعة. ويرى تورشين أن محاولات بعض الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها الإمارات، إعادة تدوير المليشيا سياسيًا أو فرضها كطرف أمر واقع، اصطدمت بحقائق الميدان ورفض الشارع السوداني، مشددًا على أن المرحلة المقبلة ستشهد تضييقًا متزايدًا على أي مسارات تتجاوز الدولة السودانية، مقابل تعزيز الحلول التي تحافظ على وحدة التراب الوطني وتعيد بناء السلطة على أسس سيادية خالصة.
تهاوى مشروع المليشيا
ويتضح أن معركة السودان لم تعد مجرد صراع مسلح، بل اختبار حاسم لإرادة الدولة في مواجهة مشاريع التفكيك والارتهان للخارج. وبينما يتهاوى مشروع المليشيا وداعميها تحت وطأة الفشل الميداني والعزلة السياسية، يفرض الجيش السوداني حضوره كحقيقة لا يمكن تجاوزها، وكركيزة أساسية لأي سلام حقيقي. ومع تنامي الدور الإقليمي المسؤول، وفي مقدمته الدور المصري، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها دعم الدولة الوطنية، ورفض شرعنة الفوضى، والانتصار لوحدة السودان وسيادته. إنها لحظة فاصلة تؤكد أن السودان، مهما اشتدت عليه المحن، لن يُحكم بالبندقية المأجورة، بل بإرادة شعب وجيش يعرفان طريقهما نحو استعادة الدولة كاملة غير منقوصة.