
إبراهيم شقلاوي يكتب: السودان بين المشروع الوطني والعقد الاجتماعي
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
السودان بين المشروع الوطني والعقد الاجتماعي
بالأمس تناول الأستاذ عثمان ميرغني،عبر زاويته حديث المدينة بصحيفة التيار، موضوعًا تحت عنوان “دراويش السياسة” ، ملاحظًا كيف تتحول بعض المفاهيم السياسية مثل المشروع الوطني والعقد الاجتماعي والحوار السوداني– السوداني إلى عبارات رتيبة يُرددها السياسيون بلا فكرة أو مضمون. لا شك أن الملاحظة دقيقة، فسياسة بلا مساءلة للأفكار سرعان ما تتحول إلى دائرة مفرغة ، لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في فهم التعريفات، بل في عجز النظام السياسي عن تحويل المفاهيم إلى أفكار.
المشروع الوطني هو رؤية جامعة متفق عليها تحدد معنى الدولة وغاياتها، وتقوم على المواطنة المتساوية، وإدارة التنوع، وتوزيع عادل للسلطة والثروة، وبناء دولة ديمقراطية لا مركزية، تُنهي تاريخ الإقصاء والحروب، وتحوّل السودان من ساحة صراع إلى إطار للعيش المشترك.
كذلك العقد الاجتماعي ، هو اتفاق سياسي وأخلاقي ينظم العلاقة بين الدولة والمجتمع، يحدد مصدر التشريع وحدود السلطة، ويضمن الحقوق المتساوية لجميع المواطنين دون تمييز، ويؤسس لاحتكار الدولة للعنف وللمساءلة والعدالة، باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه الدولة والدستور والنظام السياسي.
بناء على ذلك المشروع الوطني هو سؤال وجودي : لماذا نعيش معًا في دولة واحدة؟ ما القواعد التي تنظم العيش المشترك في مجتمع متنوع؟ ومن دون إجابة واضحة على هذا السؤال، تتحول السياسة إلى مجرد أداء للتكسب ، بلا تغيير أو رؤية مشتركة. السودان، منذ الاستقلال، شكل تجربة مضادة لمفهوم المشروع الوطني، دولة سبقت التوافق الوطني، وتركزت فيها السلطة والثروة في مركز واحد، بينما بقيت أطراف الأقاليم مهمشة ، فكان العنف السياسي والاجتماعي بديلًا عن العقد والتفاهم.
العقد الاجتماعي نفسه، كما ناقشه هوبز وروسو، ليس مجرد نص دستوري، بل تصور للعلاقة بين السلطة والمجتمع. هوبز يربط شرعية الدولة بقدرتها على إنهاء الفوضى وتوفير الأمن، بينما روسو يشترط التعبير عن الإرادة العامة، أي أن الدولة تُفعل عبر اتفاق النخب على تنظيم شؤونهم المشتركة. في السودان، الدولة لم توفر الأمن المستدام، ولم تمثل الإرادة العامة، ولهذا كانت الشرعية ناقصة، والعلاقة بين الدولة والمجتمع هشّة. الحديث عن عقد اجتماعي إذن، ضرورة تأسيسية لإعادة بناء الثقة.
المفارقة أن المفاهيم الأخرى، مثل الانتقال الديمقراطي والحوار السوداني– السوداني، كثيرًا ما تختزل في دائرة الحوار المغلقة، وهو ما يحولها إلى أداء شكلي لا يرتبط بالواقع السياسي والاجتماعي. لذلك الانتقال الحقيقي يتطلب إصلاح المؤسسات، وضبط العلاقة بين المدني والعسكري، وإعادة تعريف حدود السلطة، وإلزام النخب بالمساءلة، بينما الحوار الوطني الشامل ، يفتح المجال لمناقشة التعددية، و أسباب النزاعات.
العلاقة بين المشروع الوطني والعقد الاجتماعي هنا علاقة جدلية. فالمشروع الوطني يوفر الأفق والمعنى، بينما يوفر العقد الاجتماعي القواعد والضمانات. الأول يحدد الاتجاه، والثاني يمنع الانحراف. ومن دون هذا التكامل، تتحول الدولة إلى ساحة صراع صفري بين قوى متنافسة، وتتحول السياسة إلى امتداد للحرب بوسائل أخرى. لذلك، فإن إعادة بناء الدولة السودانية تقتضي تجاوز منطق الإصلاح الجزئي إلى منطق إعادة التأسيس، والاعتراف الصريح بفشل نموذج الدولة المركزية.
إن جوهر العقد الاجتماعي الجديد في السودان يجب أن يقوم على نقل مركز الثقل من الهوية إلى المواطنة، ومن الامتياز إلى الحق، ومن السيطرة إلى التنظيم. فالدولة التي تنحاز لهوية واحدة في مجتمع متعدد، إنما تنقض مبدأ التعاقد نفسه. أما الدولة التي تحيّد نفسها عن الصراعات الثقافية والدينية، وتكفل الحقوق على أساس فردي متساوٍ، فهي وحدها القادرة على تحويل التنوع من مصدر للصراع إلى مورد للاستقرار. بهذا المعنى، لا يعود السؤال من نحن، بل كيف نضمن حقوقنا مهما كنا مختلفين.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن إعادة توزيع السلطة والثروة. فالتهميش الاقتصادي في السودان لم يكن نتيجة عرضية لاختلالات الحكم، بل كان جزءًا من بنيته. وقد تأسس الاقتصاد السياسي للدولة على مركزية شديدة، أعادت إنتاج التفاوت عبر شبكات الولاء السياسي . وأي عقد اجتماعي لا يعالج هذا الخلل البنيوي سيظل عقدًا شكليًا، لأن العدالة الاقتصادية ليست مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل شرطًا للاستقرار السياسي.
تكمن قوة السياسة الحقيقية في قدرتها على تحويل المفاهيم إلى التزامات قابلة للقياس والمحاسبة. والخلل في السودان لم يكن أبداً في كثرة المفاهيم، بل في ندرة الالتزام بما تعنيه، وفي غياب إرادة حقيقية لتطبيقها. المشروع الوطني والعقد الاجتماعي، إذا أُعيدا إلى معانيهما الجوهرية، يمكن أن يشكلا نقطة انطلاق لإعادة تأسيس الدولة، بعيدًا عن الشعارات التعبوية.
في هذا السياق، يصبح السؤال المحوري ليس من يحكم السودان، بل كيف تُبنى دولة لا يخاف مواطنوها منها، دولة تُقنن القوة بدل أن تتحكم فيها، دولة تتجاوز الهويات الضيقة لتضمن حقوق الجميع، دولة يكون فيها العقد الاجتماعي فعل إرادة جماعية، لا نتيجة لموازين قوة مؤقتة. فالتحدي السوداني الحقيقي يجب أن لا يكون صراعًا على السلطة والكراسي ، بل تأكيد على قيمة الدولة والمواطنة والعدالة، وسيادة حكم القانون .
السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع ، لا مجرد عبارة تتكرر في الصحف والفضائيات. مشروع يعيد توظيف كل هذه المفاهيم ، كأدوات لفهم الواقع وإعادة تأسيس الدولة، مشروع يرتكز على العقد الاجتماعي كأساس للعلاقة بين السلطة والمجتمع، ويعيد بناء الثقة المفقودة بينهما. وهذا هو #وجه_الحقيقة : أن السياسة في القدرة على تحويل المعنى إلى واقع، وأن الأزمة السودانية لن تُحل إلا بإعادة بناء العقد الذي يربط الدولة بالشعب وفق رؤية جديدة أساسها العدل والديمقراطية وسيادة حكم القانون.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 15 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com