
الطيب فراج يكتب: الطريق إلى السراب
الطريق الى السراب
* كتب الطيب فراج
ما إن يحل على امة المسلمين شهر اختص بشعيرة تعبدية او تجددت فيه ذكرى حدث كان له ما بعده حتى تعلو أصوات المنابر تجتر ما كان قديما بفخر و تتحسر على واقع هزيل مذل ، ثم دعاء و رجاء ان تعود الامة إلى سابق عزها و مجدها . ومن بعد ينصرف الناس الى ما كانوا عليه من غيبوبة حضارية يستهلكون فيها اوقاتهم و طاقاتهم في انتظار ان ياتي ذلك اليوم بغتة فاذا هم خير امة اخرجت للناس و قبلة للعالمين هداية و قوة و علما و منجزات .
إن لنهضة الامة سنن قيمية و كونية لا سبيل اليها الا باتباعها ، لكنها غُيبت بفعل فئات و جماعات إما متدابرة متشاكسة و إما متوالية متواطئة ، منهم اولئك الذين جعلوا التدين طقوسا و احاجي كرامات و احجبة و ليالي صاخبة و موائد مترفة بالأكل و الشراب تحت لافتة ذكر الله و محبة رسوله . و قد وصفوا بالشيوخ مظنة العلم و هم لا يحسنون قراءة آية دون لحن او خطأ بيٌِن ، و لا في مسلكهم لمحة من ورع ، و متى ابديت رايا يخالف هواهم احتموا بمسمى (جماعة متصوفة) و هي في اصلها و غايتها منهم براء . فهم ليسو من اهل الالمام بنشاة هذا النهج و لا باوائل رواده و سيرتهم و لا اطلعوا على ما دونوه من اجتهاد في السعي لتزكية النفوس و الاخلاص في التعبد لله رب العالمين . و هو نهج لا صبر لهم على احتمال جهده . و من خلفهم تُبع غاوون سدروا في ضلال حسبوه الهدى فهم وراء كل مبتدع يهيمون ، ظنوا ان بين جنبيه علما خفيا اُختص به وحده يقربهم إلى الله زلفى و يروي غلتهم من بعض ما يرجون فتبعوا وهما و سرابا متى بلغوا منتهاه وجدوه قيعة بلقعا اغرتهم به الاماني الخلب و الانصراف عن اكتساب العلم الشرعي من حملته الموثوقين .
و الأسف المغلظ ان بين من قدمهم المجتمع الى واجهته _ بكرسي السلطة او مال وفير او بشهرة في مناشط المجال العام _ من يحتفي بمثل هؤلاء احتفاء يضخم سيرتهم في وسائط الاعلام التي طالها الخلل فيغري العوام بالتحلق حولهم فلا يزيدهم ذلك الا غرورا و يوسع قاعدة الجهل و الضلال يوما بعد يوم ، و كل زاوية من بلادنا يظهر فيها (مستشيخ) جديد لا يعدم من يواليه إعتقادا في صلاحه و ان دخل جحر ضب خرب .
اما آن لاهل الإحسان الخلص الذين جعلوا مسلكهم (ان تعبد الله كأنك تراه) إن يكون لهم معايير و مرجعيات تنقي مجتمع التصوف و تنفض عنه ما لحق به من المدعين الذين تنكبوا (الطريق) فجعلوه صراطا غير مستقيم من أجل دنيا يصيبونها بادعاء الزهد فيها .
اللهم لطفك بامة تتبع كل سبيل يبعدها عن استئناف ريادتها المعرفية و الحضارية و تمعن في التجافي عن الحق .