
مياه النيل .. وساطة أمريكية وترحيب سوداني
مياه النيل .. وساطة أمريكية وترحيب سوداني
تقرير: مجدي العجب
عاد ملف سدّ النهضة الإثيوبي إلى صدارة المشهد الإقليمي بعد تحرك أميركي جديد، أعاد طرح الوساطة الدولية كخيار لكسر الجمود الذي لازم المفاوضات سنوات طويلة. وجاءت هذه التطورات متزامنة مع ترحيب سوداني ومصري رسمي بمبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن مياه النيل، في وقت تتشابك فيه الحسابات السياسية والأمنية لدول الحوض، وسط مخاوف مستمرة من تداعيات أي خطوات أحادية على الأمن المائي والاستقرار الإقليمي.
التحرك الأميركي
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن استعداد بلاده لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة، في خطوة وصفها مراقبون بمحاولة لإحياء مسار تفاوضي تعثر طويلًا. وقال ترامب في رسالة بعث بها إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونشرها على منصته «تروث سوشيال»، إن واشنطن مستعدة لحل القضية بشكل «مسؤول ونهائي»، مشددًا على أنه لا ينبغي لأي دولة في حوض النيل أن تنفرد بالتحكم في مياهه بما يضر بدول الجوار. ووجّه ترامب نسخة من الرسالة إلى رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إضافة إلى قادة إقليميين، مؤكدًا أن التوصل إلى اتفاق دائم ممكن عبر مفاوضات عادلة وشفافة، مدعومة بخبرات فنية ومراقبة وتنسيق أميركيين، بما يضمن تدفقات مائية متوقعة لمصر والسودان خلال فترات الجفاف، مع تمكين إثيوبيا من توليد الكهرباء.
ترحيب سوداني
وفي تغريدة على منصة «إكس»، أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان أن حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول مياه النيل. وأكد البرهان أن هذه المبادرة تهدف إلى إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ حقوق جميع الأطراف، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار في الإقليم.
ويعكس الموقف السوداني رغبة في إعادة تدويل الملف ضمن أطر توازن المصالح، خصوصًا في ظل ما يراه السودان من مخاطر فنية وقانونية مرتبطة بملء وتشغيل السد دون اتفاق ملزم، وتأثير ذلك على سدوده القائمة وعلى سلامة إمدادات المياه.
رد مصري
وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إنه يثمن اهتمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمحورية قضية نهر النيل لمصر. وأوضح السيسي في تدوينة على فيسبوك، أن النيل يمثل شريان الحياة للشعب المصري، وأن مصر أكدت حرصها على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، والقائم على مبادئ القانون الدولي وبما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف، وأضاف : “وهي الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري”. واستطرد السيسي: “وجّهت خطابا للرئيس ترامب تضمن الشكر والتقدير، وتأكيد الموقف المصري، وشواغلنا ذات الصلة بالأمن المائي المصري، والتأكيد على الدعم المصري لجهوده والتطلع لمواصلة العمل عن كثب معه خلال المرحلة المقبلة”.
جذور النزاع
بدأت أزمة سد النهضة فعليًا منذ إعلان إثيوبيا في عام 2011م الشروع في بناء السد على النيل الأزرق، أحد الروافد الرئيسية لنهر النيل. ومنذ ذلك الحين، دخلت مصر والسودان وإثيوبيا في جولات تفاوض متعددة، شملت رعاية إفريقية ودولية، دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل السد. وترى مصر أن السد يشكل تهديدًا وجوديًا لأمنها المائي، باعتبار اعتمادها شبه الكامل على مياه النيل، فيما يركز السودان على المخاطر الفنية والتشغيلية، إلى جانب فرص محتملة في تنظيم الفيضانات وتوليد الكهرباء حال وجود اتفاق واضح. أما إثيوبيا، فتؤكد حقها السيادي في استغلال مواردها الطبيعية لتحقيق التنمية وتوليد الطاقة. ويكمن جوهر الخلاف في غياب آلية ملزمة لإدارة فترات الجفاف الممتد والجفاف الشديد، وضمان تبادل البيانات والتنسيق اليومي لتشغيل السد، وهو ما تعتبره القاهرة والخرطوم مسألة أمن قومي لا تحتمل التسويف.
فرص الوساطة
ويرى الخبير في شؤون المياه، نجم الدين مصطفى، أن عودة الوساطة الأميركية تمثل «نافذة سياسية مهمة» لكنها لن تنجح ما لم تُبنَ على اتفاقات فنية واضحة. ويضيف أن أي مبادرة دولية يجب أن تركز على آليات التشغيل والتصرفات المائية في أوقات الجفاف، لا الاكتفاء بإعلانات حسن النوايا. ويؤكد نجم الدين أن إشراك خبراء مستقلين وضمانات دولية قد يعيد الثقة المفقودة بين الأطراف.
حسابات الإقليمية ودولية
من جانبه، يعتبر المحلل السياسي المتخصص في شؤون القرن الإفريقي رحمة حسن، أن التحرك الأميركي يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الملف المائي. مشيرا إلى إن واشنطن تسعى لتعزيز حضورها في منطقة تشهد تنافسًا دوليًا متزايدًا. وأضاف رحمة أن نجاح الوساطة مرهون بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، خاصة في ظل تعقيدات داخلية تمر بها دول الإقليم. وأكد الخبير رحمة حسن أن المبادرة الأميركية وترحيب السودان بها تفتح بابًا جديدًا أمام مسار تفاوضي ظل معلقًا لسنوات. غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن الحل لن يكون سهلًا، ما لم يقترن الدعم الدولي بإرادة سياسية حقيقية من الأطراف الثلاثة، واتفاق قانوني ملزم يوازن بين حق التنمية الإثيوبي وحقوق دولتي المصب في الأمن المائي.