
والي البحر الأحمر: الحل الجذري لأزمة المياه في بورتسودان هو مشروع مياه النيل
والي ولاية البحر الأحمر الفريق مصطفى محمد نور ل (ألوان):
الحل الجذري لأزمة المياه في بورتسودان هو مشروع مياه النيل
الهدف من إزالة العشوائيات هو فرض سيادة القانون والحفاظ على المظهر الحضاري للمدينة
الطاقة الشمسية أصبحت خيارًا عمليًا لكثير من المواطنين والمؤسسات
نمتلك أجهزة حديثة مكّنت الأطباء من التشخيص الدقيق
حوار: مجدي العجب
في وقتٍ تتعثر فيه الخدمات الأساسية في كثير من ولايات السودان بفعل الحرب وتداعياتها القاسية، برزت ولاية البحر الأحمر كحالة استثنائية، استطاعت ـ رغم الضغط السكاني غير المسبوق وشح الموارد ـ أن تحافظ على تماسك قطاعاتها الحيوية، وعلى رأسها الصحة والمياه والكهرباء. ووسط هذه التعقيدات، فتحت (ألوان) ملفات عدة مع الفريق مصطفى محمد نور، والي ولاية البحر الأحمر، للوقوف على كيفية إدارة الولاية لهذه الملفات الحساسة، وحجم الصرف على القطاع الصحي خلال الحرب، وجهود معالجة أزمة المياه بعد انهيار سد أربعات، إلى جانب خطط الكهرباء والطرق، ورسائل الطمأنة لمواطن الولاية في واحدة من أدق المراحل التي تمر بها البلاد.
بداية سعادة الوالي .. الخدمات الطبية في ولاية البحر الأحمر خلال الحرب وُصفت بالممتازة، كيف استطعتم الصرف على هذا الصرح الصحي الكبير؟
عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023، لم تكن التحديات أمنية فقط، بل كانت في جوهرها تحديات دولة وخدمات وبقاء. قطاع الصحة كان في مقدمة هذه التحديات، خاصة مع التدفق الكبير للنازحين من الخرطوم وعدد من الولايات، ما ضاعف الضغط على مؤسسات لم تُنشأ أساسًا لاستيعاب هذا الحجم السكاني.
تعاملنا مع الملف الصحي باعتباره أولوية سيادية وأخلاقية في آن واحد، لأن الدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها صحيًا في أوقات المحن. مواطنو ولاية البحر الأحمر ضربوا مثالًا في التكاتف الوطني، واحتضنوا إخوتهم النازحين دون تمييز، وكان لزامًا على الحكومة أن تترجم هذا الوعي الشعبي إلى سياسات وخطط عملية.
في بداية الأزمة، كانت إمكانياتنا محدودة، سواء من حيث عدد المستشفيات أو نوعية الأجهزة الطبية، لكن بقرار سياسي واضح، وبدعم مباشر من مجلس السيادة، والحكومة الاتحادية ممثلة في وزارتي الصحة والمالية، تحركنا في مسارات متوازية لتأمين الإمداد الطبي، وجذب الدعم الخارجي، وتفعيل دور الشراكات الوطنية.
كما لعبت المنظمات الدولية والإقليمية، ومنظمات المجتمع المدني، والخيرون من أبناء السودان، دورًا مهمًا في هذه المرحلة، حيث تمكّنا خلال فترة وجيزة من إدخال معدات طبية دقيقة لم تكن موجودة في الولاية من قبل.
اليوم نستطيع أن نقول إن ولاية البحر الأحمر لم تكتفِ بالصمود صحيًا، بل انتقلت إلى مرحلة إعادة بناء القطاع الصحي على أسس أكثر حداثة وكفاءة.
ما حجم الصرف على القطاع الصحي خلال هذه الفترة؟
بحسب التقديرات، فإن حجم الصرف على المعدات الطبية التي دخلت ولاية البحر الأحمر خلال الفترة الماضية بلغ نحو 80 مليون دولار، وهو رقم يعكس حجم الرهان الذي وُضع على القطاع الصحي باعتباره خط الدفاع الأول عن المواطن.
هذا المبلغ لم يكن جهد حكومة الولاية وحدها، بل جاء نتيجة تنسيق سياسي ومؤسسي عالٍ بين مجلس السيادة، والحكومة الاتحادية، والتأمين الصحي، والمنظمات، إلى جانب مساهمات فاعلة من القطاع الخاص.
هذا النموذج من الشراكة يؤكد أن إدارة الأزمة لم تكن ارتجالية، وإنما قامت على توزيع الأدوار وتكامل المسؤوليات.
المعدات التي وصلت شملت أجهزة رنين مغناطيسي، وأشعة مقطعية، وأجهزة إيكو للقلب، ومعدات تشخيص متقدمة للعيون وغيرها، وهي أجهزة أسهمت في رفع كفاءة النظام الصحي، ومكّنت الأطباء من اتخاذ قرارات علاجية دقيقة في الوقت المناسب.
هل لمس المواطن هذه الخدمات فعليًا؟ وهل هناك عدالة في تقديمها؟
السياسة الصحية التي انتهجناها قامت على مبدأ العدالة وعدم التمييز. الخدمات قُدمت لكل من يحتاجها، سواء كان من مواطني الولاية أو من النازحين، لأننا نؤمن بأن الحق في العلاج لا يتجزأ ولا يخضع لأي اعتبارات جغرافية أو اجتماعية.
المواطن لمس هذا التطور بشكل واضح، ليس فقط في توفر الأجهزة، بل في نوعية الخدمة نفسها. كما أن استقرار الخدمات الصحية في البحر الأحمر شجع أعدادًا كبيرة من المرضى من ولايات أخرى على القدوم للعلاج، وهو ما أسهم في تنشيط القطاع الصحي الخاص وخلق شراكة غير مباشرة بين العام والخاص.
مركز الدكتور محمد طاهر إيلا للقسطرة يُعد نموذجًا لهذا التحول، حيث أصبح يقدم خدمات متقدمة داخل الولاية، بعد أن كانت هذه العمليات تُجرى خارجها.
كما تم تخصيص قطعة أرض لإنشاء مستشفى جديد غرب المطار لإجراء العمليات الجراحية الدقيقة، وهو مشروع يحمل بعدًا استراتيجيًا في توطين العلاج داخل الولاية.
ننتقل إلى ملف المياه. انهيار سد أربعات شكّل أزمة كبيرة، كيف تمت المعالجة؟
أزمة المياه التي أعقبت انهيار سد أربعات كانت واحدة من أخطر التحديات التي واجهت الولاية، ليس فقط من حيث الخدمة، بل من حيث الاستقرار الاجتماعي.
مدينة بورتسودان تعتمد تاريخيًا على السد، وكان يوفر نحو 40% من احتياجات المدينة قبل انهياره.
عقب الانهيار، جُرفت الخطوط الثلاثة الناقلة للمياه بطول يقارب 40 كيلومترًا، وتضررت الآبار بفعل الطمي، ما وضع الحكومة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة الأزمة.
بتنسيق محكم بين حكومة الولاية، وهيئة المياه، والحكومة الاتحادية، والمنظمات، تحركنا سريعًا، وتم خلال شهرين فقط إعادة تأهيل الخطوط الثلاثة، وتنظيف 45 بئرًا، وحفر 20 بئرًا جديدة، ليصل العدد الكلي إلى 65 بئرًا.
كما أدخلنا طلمبات حديثة، ووفّرنا ثلاثة مصادر للطاقة (كهرباء عامة، مولدات، طاقة شمسية) لضمان استمرارية الإمداد.
هذه الإجراءات لم تكن سهلة، لكنها كانت ضرورية لتجنب انفجار أزمة إنسانية في مدينة تستضيف ملايين المواطنين.
وماذا عن السد الرابع؟
السد الرابع يمثل جزءًا من الرؤية الاستراتيجية لإدارة المياه في الولاية. تم تأهيله بشراكة ذكية مع جهاز المخابرات العامة، وكان قبل الصيانة يخزن حوالي 4 ملايين متر مكعب.
بعد أعمال التأهيل، ارتفعت سعته التخزينية إلى 7 ملايين متر مكعب، وهو الآن يُعد مخزونًا احتياطيًا يمكن اللجوء إليه عند الضرورة.
هل هذه حلول نهائية لأزمة المياه؟
بكل وضوح، هذه حلول إسعافية فرضتها ظروف الحرب والزيادة السكانية غير المسبوقة التي تجاوزت 4 ملايين نسمة.
الحل الجذري والاستراتيجي لأزمة المياه في بورتسودان هو مشروع مياه النيل، وهو مشروع يحتاج إلى قرار سياسي مركزي، وتنسيق اتحادي واسع، لأنه يمثل الحل المستدام الوحيد لهذه المدينة الساحلية.
الكهرباء ملف شائك، كيف تنظرون إليه؟
الكهرباء تمثل أحد أعقد الملفات، لأن مدينة بورتسودان كانت تنتج في السابق حوالي 18 ميغاواط فقط، بينما تحتاج حاليًا إلى نحو 270 ميغاواط.
هذا الفارق اتسع بعد الحرب نتيجة زيادة عدد السكان والأنشطة الاقتصادية.
نعمل حاليًا مع وزارة الطاقة على استكمال محطة كلانيب الحرارية جنوب المدينة، ونتوقع دخولها الخدمة خلال عام ونصف بإذن الله.
إلى ذلك الحين، تعتمد المدينة على البارجة التركية وخطوط الربط القادمة من مروي، كما أن الطاقة الشمسية أصبحت خيارًا عمليًا لكثير من المواطنين والمؤسسات.
الطرق والعشوائيات، ماذا أنجزتم؟
في عام 2025 وقّعنا اتفاقية مع شركتي الموانئ الهندسية وزادنا لصيانة 77 كيلومترًا من طرق مدينة بورتسودان كمرحلة أولى، وهي خطوة مهمة لإعادة تأهيل البنية التحتية التي تضررت بفعل الإهمال والضغط السكاني.
أما إزالة العشوائيات، فقد جاءت بعد إنذارات قانونية متكررة، وهدفها فرض سيادة القانون والحفاظ على المظهر الحضاري للمدينة، خاصة في مرحلة نعمل فيها على إعادة ترتيب المدينة بعد ظروف استثنائية.
كلمة أخيرة ورسالة طمأنة لمواطن البحر الأحمر؟
نؤكد أن ولاية البحر الأحمر آمنة ومستقرة، بفضل الله أولًا، ثم القوات المسلحة والأجهزة النظامية، ووعي مواطني الولاية.
السلع التموينية متوفرة، والخدمات مستمرة رغم التحديات، وحكومة الولاية تعمل في ظروف معقدة، لكنها ماضية في مسؤوليتها تجاه المواطن، واضعة الاستقرار والخدمة في مقدمة أولوياتها.