
سباعية الثلاثاء
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
سباعية الثلاثاء
1
كان خالنا شقيق الوالدة العالم الخطيب الشريف الطاهر طه محمد المهدي له مقولات حفظناها منذ الصبا الأول وبقيت في الذاكرة ، كان يقول عليه الرحمة: لا تظنوا أن غض البصر هو في المرأة وحدها ولكنه في السيارات والبنايات والوظائف والمظهر والوظيفة والصحة والجمال فإن أي واحد منا إذ استغرق في إطالة النظر والمقارنة فإنه لا محالة سيصاب باليأس والحزن والقنوط ويظن أن كل ما يملكه الآخرون أعلى وأغلى مما يملكه ، لأنه كان دائم التحديق إلى ما فوقه وكان يستدل بشعر إبن القيم الجوزية:
وَكُنْتَ مَتَى أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِدًا
لِقَلْبِكَ يَوْمًا أَتْعَبَتْكَ المَنَاظِرُ
رَأَيْتَ الَّذِي لاَ كُلُّهُ أَنْتَ قَادِرٌ
عَلَيْهِ وَلاَ عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابِرُ
ويضيف عليها قول الزاهد في ذات المعني :
من نظر في دنياه إلى ما فوقه فأسف على ما فاته لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً.
عزيزي والي الخرطوم صدقني إن أعدت ترميم المساجد ولها الأولوية فسيعود الخطباء من جديد ويتوافد الصالحون على صلاة الفجر، ويمدون مائدة الأشعريين( ومن هنا نبدأ).
2
ولأن هذه الأيام أيام الطالبيين ونفحات آل البيت وشيعة على وأحبابه من كل الملل والنحل يستعدون للمعركة الفاصلة ما بين طهران وواشنطون ، فماذا يضيرنا لو تصدقنا ببعض مقولات الإمام الشهيد علي رضي الله عنه وهو يحارب التدين الشكلاني بمحاسن الأخلاق وحسن المعاملة يقول رضي عنه:
وكيف تكون مسلماً ولا يسلم الناس منك.
وكيف تكون مؤمناً ولا يأمنك الناس.
وكيف تكون متقياً والناس يتقون أذاك.
3
من الفقهاء شديدي البأس في الرأي والإعتداد بالنفس عمرو بن عبيد ،وكان من دعاة العقلانية في أمر الدين وكان من المعتزلة المعدودين يقول في تهذيب النفس وتدريبها على الطاعة والخضوع للمكرمات والخلق الوعر : (لقد رِضتُ نفسي رياضة لو أردتها على ترك الماء لتركته) .
4
وما دُمنا في سيرة المعتزلة وشيخهم عمرو بن عبيد فإننا نورد هذه الطُرفة عن فتواه التي عارض بها فتوى الإمام العابد الفقيه الحسن البصري والعالم محمد بن سيرين قيل:
أن رجلاً من أهل البصرة حلف بالطلاق أن الحجاج الثقفي في النار ، ثم نازعته نفسه في الأمر ، فذهب يستفتي الحسن البصري يسأله هل وقع طلاقه أم لا ؟
فقال له الحسن البصري: أما الحجاج فكان فاجراً ضالًا ولكن رحمة الله وسعت كل شيء فلا أدري ماذا أقول لك ، فذهب الرجل إلى محمد بن سيرين فرد عليه بمثل الذي قاله الحسن البصري، فلما لم يجد حلاً ذهب إلى عمرو بن عبيد وكان شيخ المعتزلة فقص عليه ما حدث، فقال له: إذهب إلى زوجتك فلو غفر الله للحجاج بن يوسف فما يضرك الزنا يومئذ.
5
ومن دعابات القضاة الشرعيين في بلادنا ما يحكى عن الشيخ العالم خفيف الظل الراحل الشيخ عوض الله صالح ، وكان قاضياً شرعياً وصاحب برامج في الفتاوى بالإذعة السودانية ، إتسمت بالبساطة والعمق وكان أهل السودان يتحلقون بالراديو أيام عزه يستمعون لبرنامج الرجل العالم عليه الرحمة .
دخل عليه يوماً رجلاً في المحكمة الشرعية وهو ينتحب ويبكي بمرارة بأنه طلق للمرة الثالثة زوجته التي يحبها وله منها خمسة أطفال وقد ندم على ذلك وكان تبريره أمام مولانا أن هذه الأخيرة نطق بها وكان في ثورة غضب وهياج، إستمع إليه شيخ عوض الله بهدوءه المعهود واسترضاه وترفق به حتى سكن وأجلسه ودعى له بكوب ماء وشاي ، ظن المسكين أن شيخ عوض الله قد وجد له( دبارة) في قضيته لكن كان جزعه ومصيبته كبيرة حين قال له شيخ عوض الله: ( أنا نصحيتي يا ولدي من باكر تشوف ليك وحدة جديدة تربي أولادك وحجتك مردودة ، وما في راجل طلق مرتو وكان فرحان)
حاشية:
ومن أغرب الحلول التي قرأت عنها لأصحاب الغضب والهياج الذين لا يملكون أنفسهم عنده مما تسبب في الكثير من حالات الطلاق ،أن يجعل مثل هؤلاء (المرضى) الخُلع بيد المرأة ،فالمفارقة بالخُلع لا عدد لها، وليست مثل ثلاثية الطلاق ، ( والله أعلم).
6
في إحدى المدن العربية لا يُفضل أهل المساكن المعروضة للإيجار الأسر الكبيرة خوفاً على سوء الإستعمال للعقار ، وقيل أن أحد الموظفين الفقراء ظل يبحث لأشهر متطاولة عن شقة للإيجار وكانوا دائماً يسألونه كم عدد أفراد الأسرة ؟ ويقول لهم : أنا وزوجتي وسبعة من البنين والبنات فيعتذوا له فيغادر كسيفاً يبحث حتى في الأطراف ولا يجد مأوى .
كان الرجل على تقوى وصدق ولكن الإضطرار دعاه لحيلة يتجاوز بها الكذب، فبعد أن صلى الصبح قال لزوجته : إذهبي بعد الصلاة إلى المقابر في رفقة الأبناء الستة للترحم على والدها فأجابته طائعة ، فاستصحب إبنه الأكبر واختاروا مسكناً في قلب المدينة قريباً من مكان عمله ولا يعرضه لقسوة المواصلات ، هو وأبناءه وقد كانت مدارسهم بقرب المسكن المأمول وتعرض لذات السؤال التقليدي الراتب من أصحاب العقارات ، كم عدد أفراد الأسرة ؟ فرد عليه : أنا وابني هذا أما زوجتي وسته من أبناءها فهم في المقابر ، وحالاً دفع لهم المقدم ووقعوا العقد وفي الطريق إبتسم في وجه إبنه قائلاً: يا إبني عليك بالحيلة واستخدام اللغة فإنها في كثير من الأحيان هي السلاح الوحيد بقمع الطامعين وأصحاب الشُح والمتخصصين في تعذيب خلق الله.
7
ومما يحكى في روايات التاريخ عن الصالحين والزهاد ومماثلتهم بأهل الترف وأحباب الدنيا الذين يكتسبون المال كيف ما اتفق لا يتحرون فيه خيراً ولا حلالاً قيل: أن الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزبز أنجب أحد عشر ولداً وترك ثمانية عشر ديناراً ،كُفّنَ بخمسة دنانير ، واشتُريَ له قبر بأربعة دنانير وَوزّع الباقي على أبنائه، وهشام بن عبدالملك أنجب أحد عشر ولداً ، وكان نصيب كلّ ولدٍ من التركة مليون دينار.
لقد رأيت في يومٍ واحدٍ أحد أبناء عمر بن عبد العزيز يتصدق بمائة فرس للجهاد في سبيل الله ، وأحد أبناء هشام يتسول في الأسواق.
وقد سأل الناس عمر بن عبدالعزيز وهو على فراش الموت : ماذا تركت لأبنائك يا عمر؟
قال : تركت لهم تقوى الله فإن كانوا صالحين فالله تعالى يتولى الصالحين ،وإن كانوا غير ذلك فلن أترك لهم ما يعينهم على معصية الله تعالى.
حاشية:
كان شيخنا الداعية الصالح صادق عبدالله عبدالماجد يقول: إن أساس التنمية والرفاه عند غير المسلمين تتمثل في العلم والخِطة والإدارة الصائبة ، أما عند المسلمين فهي من هذه أيضاً لكن بزيادة تقوى وعفاف الخليفة والمجتمع، ولذلك لم يجد الناس في عهد عمر بن عبدالعزيز رضي الله وقدس الله سره رغم فترته التي كانت دون الثلاثة أعوام من يوزعون عليه الزكاة أو يتقبل منهم الصدقات.