السادة الكتياب في حفلة زفاف كريمة سعيد بن المسيب

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

السادة الكتياب في حفلة زفاف كريمة سعيد بن المسيب

مدخل

الأخ صديق المجتبى الشاعر والكاتب والمفكر إبن الكتياب الذي نال من هذا البيت الكريم عِطر التُقى والقرآن والشعر وحب الآخرين وزانته نفحات شعراء البيت وعلماءه محمد عبدالوهاب القاضي ومحمود عبدالوهاب القاضي والشاعر محمد سعيد (الكهربجي) ومن قبلهم العبقري صاحب الإشراقة التيجاني يوسف بشيرالذي رحل رغم هذا الدويّ وهو في مدخل الثلاثينيات من عمره والمئات من التكنوقراط والعلماء الذين يملأون الجامعات السودانية والعربية والخدمة العامة والسفارات والمنظمات مِنحاً وهدايا من المعارف الظاهرة واللدُنية .
رافقناه في أيام الطلب والحِراك السياسي والمعرفي فكان زهرة المجالس في الإضافة الفكرية والنقاش الرصين وجوهرة المحافل في الشعر والندوات الأكاديمية وبالمناسبة الأخ صديق وعبدالقادر والتيجاني سعيد من المؤسسين لصحيفة ألوان وقد أعانوني عليها كتابة وتحريراً في العالم 1984 والجميع كان يومها في ميعة الصِبا والمزاعم الحميدة بتركيب الحياة القادمة.
عمل وزيراً للثقافة فلم يزده المنصب إلا تواضعاً وزهداً، وصديق من المثقفين السودانيين الذين ظلوا يُجملون المحافل والملتقيات الأدبية والفكرية والإبداعية خارج الحدود تمثيلاً للسودان وشعبه بلغة عربية محكمة وبإنجليزية طليقة وكان صوته باهياً بالمربد بالعراق مع الفيتوري ومصطفى سند وفراج الطيب وسيف الدسوقي ومحي الدين فارس.
سرق الأوغاد كل ما يملك ولم يحفل بأغراض الدنيا لكنه ظل حزيناً على مكتبته وأبحاثه وجهاز حاسوبه الذي يحتوى على كثير من الكتب والأوراق الأشعار، وعندما غادر السودان وأسرته الكريمة مع صنو روحه الأستاذة الجامعة حفيدة شيخ الإسلام (ودالبدوي) وأبناءه الأخيارالذين أخذوا من خال صديق التيجاني يوسف بشير إشراقة العلم ووضاءة الضمير الحي.
إن معرفتنا بمجتبى وابن خالته الشاعر الملهم عبد القادر الكتيابي زادتنا محبة في الثقافة والإطلاع والرفقة والتعلق بأمدرمان التي كانا يمثلان طليعة الثقات من الناطقين بها شِعراً ونثراً وقدوة واحتفاء .
إختارصديق مجتبي بعد النكبة المدينة المنورة وله في روضتها أذكار وأشعار وتضرع ونفثات ودموع وما زلنا ننتظر ديوانه الأخير وأفكاره حول السودان القادم وأراءه حول النهضة والتغيير، وعلى قلة موارد صديق في المهجر إلا أنه ظل يقتسم ما يصله من الأبناء بين اللقمة والكتاب ليشيد مكتبة العودة لإمدرمان من جديد وإن تعثرما بين المسكن والحرم النبوي الشريف في مشوار الصلوات الخمس يبتسم إبتسامة بدر شاكر السياب معلقاً على طريقته الساخرة: (الآن بدأت خيانة الجسد).
وتبقى روح صديق فياضة بالعلم والذكريات والسؤال عن الأحبة والأصدقاء والتقاط الثمرات من الهدايا وقد أهداني البارحة هذه الحكاية اللطيفة ، وإن لم يعلق على مدخل الهدية إلا أنني فهمت مراد الحكاية دون توثيق (هذه يا صديقي حكاية عن ابن المسيب وزوج إبنته العالم المعدم نرسلها لنعينك على وعثاء الكتابة والعمود اليومي، وأنا أعلم بمرارة وقسوة الكتابة اليومية الراتبة على العقل والقلب والجسد.

القصة

كان مجلس سعيد بن المسيب يحضره عشرات بل مئات من الشباب الصالحين، فأنقطع شاب من الشباب عن الحضور يوماً
وقد كان من تلاميذه النابهين، فلما حضر بعد أيام سأله سعيد أين كنت يا أبا وداعة؟
فقال: ماتت زوجتي وانشغلت بدفنها وعزائها وقد تركت من وراءها صِغاراً لا راعي لهم فعكفت على خدمتهم، وأمي إمرأة مُسِنة لا تستطيع الحِراك ولا إعداد القِرى.
فقال سعيد رحمه الله: “هلَّا أخبرتنا حتى نعزيك ونواسيك
ثم قال له:هل نويت بأمر بعدها؟ هل عزمت على زواج بعده؟
قلت: ومن يزوجني، وأنا لا أملك إلا ثلاثة دراهم، ومن ترضى بفقير وصاحب عيال!
قال سعيد: “سبحان الله، ثلاثة دراهم لا تعف مسلماً ! الله أكبر
قلت: ومن يزوجني؟
قال: أنا
قلت: ابنة سعيد بن المسيب؟! التي يخطبها الأمراء والوزراء ويردهم عنها
قال: أنا أزوجك
فدعا من كان في ناحية المسجد ثم قال: “الحمد لله، وأثنى على الله، ثم قال: زوجنا فلاناً من فلانة على درهمين.. زوجنا فلاناً على فلانة بدرهمين و تمَّ العقد وطرت من الفرح.
ذهبت إلى داري، وأنا أطير من شدة الفرح.. دخلتُ، وكان الوقت ساعة مغيب الشمس وكنت صائماً.. فأخرجتُ خلاً وخبزاً أريد الإفطار.. فإذا بطارق يطرق الباب
قلت: من؟
قال: سعيد
فجاء على بالي كل سعيد إلا سعيد بن المسيب، فما رُؤي منذ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد ففتحت الباب فإذا بسعيد بن المسيب
قلت: لقد رجع في كلامه
قلت: لماذا أتيت كان حري بك أن تستدعيني وأنا آتيك
قال: مثلك يُؤتى إليه أنت إنسان زوجناك وخفتُ أن تبيت الليلة عزباً ويحاسبني الله على عزوبيتك في هذه الليلة. فإذا بسواد من خلفه.. دفعها داخل الباب سقطت من حيائها ثم قال له: بارك الله لك وبارك عليك، هذه زوجك وأسأل الله أن يوفق ويصلح بينكما ثم ذهب في طريقه، فنظرت إليها فإذا هي من أجمل النساء، والله ما رأت عيني أجمل منها فصعدتُ إلى ظهر المنزل ناديتُ جيراني قائلاً لهم: سعيد بن المسيب زوجني ابنته وقد أتى بها هذه الليلة فانزلوا عندها وسأذهب لأخبر أمي بالخبر.
فذهبتُ أخبر أمي، فقالت لي: وجهي من وجهك حرام والله لا تقربنها إلا بعد ثلاثة أيام حتى أزينها كما تُزيَّن العروس.
وبعد ثلاثة أيام أُدخلت عليها والله ما رأت عيني أجمل منها إن تكلمت أحسن الكلام وإن سكتت على أجمل مقام.
مكثتُ معها شهراً، لم أرَ منها إلا صيام وقيام، وبعد شهر أردت الذهاب إلى مجلس سعيد فقالت:
إلى أين تذهب؟
قلت: إلى مجلس سعيد لطلب العلم
قالت: إجلس فإنَّ علم سعيد كله عندي.
ذهبتُ إلى مجلس سعيد بعد شهر، فلما رآني تبَّسم ولم يكلمني حتى أنفضَّ الجمع من المجلس، فلما أنفضَّ جئته، وجلست بين يديه فقال: كيف ضيفكم؟
قلت: على أحسن حال
قال: إن رأيت ما لا يعجبك فالمناصحة وشيء من الشدة ثم أعطاني عشرين ألف دينار وقال: “أستعن أنت وإياها، على قضاء حوائجكم.

وللمجتبى في الحكاية المباركة مرافعة

الله أكبر ثلاثة دراهم لا تعف مسلما
لله درك يا سعيد !
أين لنا بمثل سعيد اليوم؟
إن في قصة سعيد بن المسيب مع “أبا وداعة” رسائل عميقة لواقعنا المعاصر، نلخصها في وقفات.
إلى أولياء الأمور (الآباء والأمهات):
الدين والخلق هما المقياس: سعيد بن المسيب ردّ “الخلفاء والأمراء” الذين يملكون الدنيا، وزوج ابنته لشاب لا يملك إلا “ثلاثة دراهم” لمجرد أنه وجد فيه الصلاح والحرص على العلم. فلا تضعوا العقبات المادية (مهور باهظة وتكاليف مرهقة) أمام الشباب الصالح، فتكونوا سبباً في تعطيل الحلال.
الستر والعفاف مغنم: أعظم استثمار للأب هو أن يستر ابنه أو ابنته في بيت تقي، فالسعادة لا تُشترى بالجنيهات والدولارات، بل تُبنى بالتقوى والمودة.
الرزق بيد الله: “أبا وداعة” لم يمنعه فقره من طلب العلم والصدق مع شيخه، ففتح الله له أبواب الدنيا والدين بزواج مبارك لم يكن يحلم به.
العلم زينة البيوت: الزوجة الصالحة في هذه القصة لم تكن جميلة فحسب، بل كانت “عالمة” تحفظ علم أبيها، وهذا هو الجمال الحقيقي الذي يبقى ويثمر في الأبناء.