همسات في ضمير الخميس

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

همسات في ضمير الخميس

 

جيفيري إبيستن في الظلال

ونحن طلاب بالثانويات كنا نزور الشيخ صادق عبدالله عبدالماجد بمنزله المتواضع بشارع الدومة حيث تلقينا عنه تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر وكان ينصحنا إذا أردتم قراءة جادة ومعاصرة في التفسير فعليكم بالِظلال للشهيد سيد قطب ففي ظِلال القرآن للرجل فقه ورؤية واستنارة ونهضة تُطِل من بين السطور، وكان يختم حديثه مبتسماً إبتسامته الراضية الشهيرة : إن الذي لم يقرأ الِظلال لم يقرأ شيئاً في التفسير ومن مجموعات الكُتُب التي كنت حفياً بها مجموعة الظِلال التي أهداها لي الرجل وأرجو من كل قلبي أن لا يكون أصابها مكروه وبددها هؤلاء الأوغاد الذين لا يعرفون شرفاً لمكتبة وكتاب .
ورغم مرور أكثر من خمسة وسبعين عاماً على صدور النسخة الأولى من ظِلال القرآن ورغم أن الحضارة الغربية كانت يومها فيها القليل من الفضائل فقد قدم الرجل الصالح تشريحاً غائراً في جسد ذلك المجتمع المنكوب فما باله لو كان شاهداً الآن على هذا السقوط المُدويّ لهذه الحضارة الغربية المادية الدميمة وهي تعيش فضيحة الجزيرة الملعونة وتساقط قياداتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية والإبداعية بالجملة مثل تساقط الأوراق في الأشجار.
ولتسترجعوا هذه النظرة الثاقبة لهذه الحضارات المتداعية وأرجو منكم أن تقراؤوا هذا التشريح الناصع وأرجو أن تقتنوا الظِلال وأن تدعو من كل قلوبكم لمصر الشقيقة التي أنجبت إبن حجر العسقلاني والعز بن عبدالسلام والإمام الشافعي والإمام محمد عبده ومحمد أبو زهرة ومحمود شاكر والعقاد صاحب العبقريات وأحمد أمين صاحب ضحي الإسلام وفجره والزيات صاحب الرسالة الذائعة الصيت وشوقي وحافظ صاحب العمريات وخالد محمد خالد صاحب رجال حول الرسول ومحمد الغزالي ومحمد عمارة وعبدالوهاب المسيري والعشرات ممن أسهموا في إثراء المكتبة العربية والإسلامية بأفكار ما زالت تشِع في عواصم الدنيا ضياءً بركة وعلماً.
يقول صاحب الظِلال كأنه كان يكتب عن الجزيرة الملعونة وجيفيري إبيستن والقيادات التي تعيش الآن في حضن الشيطان هلعاً ولا نقول حياء ولا رجاء فهؤلاء أقوام لا حياء فيهم ولا رجاء منهم :

من تفسير قال تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المس}
إن العالم الذي نعيش فيه اليوم، عالم القلق والإضطراب والخوف والأمراض العصبية والنفسية، باعتراف عقلاء أهله ومفكريه، وبحسب شهادات المراقبين والزائرين العابرين لأقطار الحضارة الغربية، على الرغم من كل ما بلغته الحضارة المادية ، والإنتاج الصناعي من الضخامة في هذه الأقطار، وعلى الرغم من كل مظاهر الرخاء المادي التي تأخذ بالأبصار. ثم هو عالم الحروب الشاملة والتهديد الدائم بالحروب المبيدة، وحرب الأعصاب، والاضطرابات التي لا تنقطع هنا وهناك، إنها الشقوة البائسة المنكودة، التي لا تزيلها الحضارة المادية، ولا الرخاء المادي، ولا يسر الحياة المادية وخَفْضُها ولينها في بقاع كثيرة. وما قيمة هذا كله إذا لم ينشىء في النفوس السعادة والرضا والاستقرار والطمأنينة؟
إنها حقيقة تواجه من يريد أن يرى، ولا يضع على عينيه غشاوةً من صنع نفسه كي لا يرى! الناس في أكثر بلاد الأرض رخاءً، أميركا والسويد مثالاً، ليسوا سعداء ، بل قلقون، يطلّ القلق من عيونهم وهم أغنياء، ويأكل الملل حياتهم وهم مستغرقون في الإنتاج، ثمّ يُغرقون هذا الملل في العربدة والصخب تارة، وفي (التقاليع) الغريبة الشاذة تارة، وفي الشذوذ الجنسي والنفسي تارة. ثم يحسّون بالحاجة إلى الهرب، الهرب من أنفسهم، ومن الخواء الذي يعشش فيها، ومن الشقاء الذي ليس له سبب ظاهر من مرافق الحياة وجريانها، فيهربون بالانتحار، ويهربون بالجنون، ويهربون بالشذوذ، ثم يطاردهم شبح القلق والخواء والفراغ ولا يدعهم يستريحون أبداً! لماذا؟
السبب الرئيس، طبعاً، خُواء هذه الأرواح البشرية الهائمة المعذَّبة الضالّة المنكودة، على كل ما لديها من الرخاء المادي، من زاد الروح، من الإيمان، من الاطمئنان إلى الله، وخواؤها من الأهداف الإنسانية الكبيرة التي ينشئها ويرسمها الإيمان بالله، وخلافةُ الأرض وَفقاً لعهده وشرطه.

بشار بين عبدالله الطيب وعلي المك

رحم الله بشار فعلى الرغم من موهبته الباذخة في الشعر وأغراضة إلا أنه عاش فقيراً ورحل قتيلاً يتدثر بالهجاء ويلتمِع في كثير من الأحيان رغم أنه أعمى لكنها بصيرة الحِكمة وإسداء النصيحة وإشاعة الوصف العبقري للناس والأشياء والحياة وكان البروفيسورعبدالله الطيب نزولاً على رواية تلميذه على المك كان يقول في قاعة المحاضرات بكلية الآداب بجامعة الخرطوم إني لا أدري على أي نص أدُلكم لبشار ويقرأ بحذق فريدته:

أَخوكَ الَّذي إِن رِبتَهُ قالَ إِنَّما
أَرَبتُ وَإِن عاتَبتَهُ لانَ جانِبُه
إِذا كُنتَ في كُلِّ الذُنوبِ مُعاتِباً
صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه
فَعِش واحِداً أَو صِل أَخاكَ فَإِنَّهُ
مُقارف ذَنبٍ مَرَّةً وَمُجانِبُه
إِذا أَنتَ لَم تَشرَب مِراراً عَلى القَذى
ظَمِئتَ وَأَيُّ الناسِ تَصفو مَشارِبُه

يقول على المك وبعد أن يكمل إبن الدامر الفصيح قراءته للنص كاملاً يواصل جملته الإعتراضية قائلاً ( هذه أَم قصيدته في المشورة والحكم والنصائح ويقرأها طبعاً كأن أمامه قرطاس وهي قصيدة نوصي بها أهل الأدب والسياسة:

إذا بَلَغَ الرَأيُ المَشورَةَ فَاِستَعِن
بِرأيِ نَصيحٍ أَو نَصيحَةِ حازِمِ
وَلا تَجعَلِ الشُورى عَلَيكَ غَضاضَةً
مَكانُ الخَوافي قُوَّةٌ لِلقَوادِمِ
وَما خَيرُ كَفٍّ أَمسَكَ الغُلُّ أُختَها
وَما خَيرُ سَيفٍ لَم يُؤَيَّد بِقائِمِ
وَخَلِّ الهُوَينا لِلضَعيفِ وَلا تَكُن
نَؤوماً فَإِنَّ الحَزمَ لَيسَ بِنائِمِ
وَأَدنِ عَلى القُربى المُقرِّبَ نَفسَهُ
وَلا تُشهِدِ الشُورى اِمرَأً غَيرَ كاتِمِ
فَإِنَّكَ لا تَستَطرِدُ الهَمَّ بِالمُنى
وَلا تَبلُغُ العَليا بِغَيرِ المَكارِمِ

عندما أسمع مفردة الثقافة أتحسس مسدسي
كثيرة هي الأوصاف التي تصفع المثقف الخادم للسلطة ليل نهار والصحافة تحفظ منها الكثير ومن أشهارها عبارة زياد الرحباني إذ يقول:
مشكلة المثقف العربي أنه ثوري في المقهى، مستأنسٌ في البيت ( بخاف من المدام)، نمطي في العمل، بهلوان في بلاط السلطة.

الطريق لم صدق وليس لمن سبق

إلى المتكاسلين ما زال في عمرالأيام بقية إن الأيام العشر الباقية من شعبان قد تَقضت وقد وبقي منها أسبوع والطريق لمن صدق وليس لمن سبق فتأسوا بأبيات العارف في وصف العشر الأخيرة من شعبان واتركوها في القلب حتى العام القادم لمن فاتته إن كان في العمر بقية

ليالي الأُنس يا صاحِ استقلَّتْ
وأيام العِبادةِ قد أظَلَّتْ
ألم تسمع بِما قد قيل قدماً
إذا العِشْرونَ مِنْ شعبانَ وَلَّتْ

 

الزنزانة المستحيلة

دائماً ما كنت أقول لمجموعة من الأصدقاء مُفاخراً ومعاتباً بأنني الصحفي الوحيد الذي سُجِن في كل العهود والحكومات منذ مايو مروراً بالإنقاذ وديسمبرالتي لم يستقروا على إسمٍ لها حتى صدورهذا العدد .
ففي المعتقل الأخير بالإنقاذ إعتُقِلت في زنزانة مغلقة بكوبر وكان جاري في الزنزانة المقابلة لي سجين من داعش لا يتحدث معي ولا يصلي معي ولا يأكل معي المرة الوحيدة التي رأيته مبتسماً فيها حين قرأت عليه بصوت عالٍ وهو يَعْبُر أبيات من الشعر الحر من أدب المعتقلات :

قال المُعتقل لزميلِهِ فى الزنزانة:
عندما يُفرجون عنّي
سوف أبني لنفسي بيتاً
محاطاً بالشُّرفاتْ
تدخُلُهُ أشعةُ الشمسِ
من كل زواياه
نوافذُه دانيةٌ وواسعةْ
سجاده مُلوَّن جداً
أَسِرتُهُ من الإسفنج الكثيف.
يزدحم بالكتب وبالموسيقى،
بالدفاتر والأقلام
وبالضيوف وبالصابون المُعَطّر
ومن مواصفاته الهندسية،
أَنهُ يمكن الهَرَبُ مِنه.