آمنة السيد مكي .. قنديل «القبة» الذي أضاء عتمة الجهل في ربوع كردفان

آمنة السيد مكي .. قنديل «القبة» الذي أضاء عتمة الجهل في ربوع كردفان

بقلم: أحمد إسحق أحمد صالح

في سجلات الخلود السودانية، ثمة أسماء لا يطويها النسيان، بل تزداد توهجاً كلما احتجنا إلى القدوة والمنهج. ومن بين تلك الأسماء السامقة تبرز الأستاذة آمنة السيد مكي السيد عبدالرحيم المكي، حفيدة العارف بالله الشيخ إسماعيل الولي، وابنة عم الزعيم الخالد إسماعيل الأزهري؛ تلك السيدة التي لم تكتفِ بكونها سليلة «بيت علم ومعرفة»، بل صاغت بجهدها وعرقها تاريخاً مستقلاً كإحدى رائدات الحركة النسائية والتعليم في السودان.

مسيرة العلم.. من أم درمان إلى عموم كردفان

تلقت الأستاذة آمنة تعليمها في «كلية معلمات أم درمان» العريقة، لتبدأ رحلة مهنية كانت فيها «ست آمنة» رمزاً للانضباط والتربية. تنقلت في مدارس كردفان الكبرى ودارفور، تاركةً بصمة في الأبيض، والنهود، وأم كدادة، والفاشر، والحمادي، وأبو حراز. ويذكر لها التاريخ بمداد من نور أنها كانت سبباً في إعادة فتح مدرسة مدينة «بارا» بعد إغلاقها، وذلك بطلب خاص من كبار أعيان المدينة الذين لم يثقوا في قدرة أحد على إعادة الانضباط والبناء سوى هذه القامة الوالدة.

رائدة العمل الطوعي: 1951م الانطلاقة الأولى

لم تكن الأستاذة آمنة مجرد معلمة صف، بل كانت مصلحة اجتماعية سبقت زمانها. فمنذ عام 1951م وضعت اللبنة الأولى للعمل النسائي الخيري بمدينة الأبيض، فتقلدت مهاماً جسيمة في «الجمعية الخيرية» و«جمعية ملكة الدار»، وكانت صاحبة مشروع «كسوة الطالب» الذي كان برداً وسلاماً على الفقراء والمحتاجين.

سجل حافل بالقيادة والوعي

اتسمت شخصيتها بقدرة فذة على الموازنة بين المهام الرسمية والرسالة الإنسانية، ومن أبرز محطاتها: الإدارة والرقابة: عملت مديرة لمدرسة البنات الجنوبية بالأبيض، وموجهة تربوية بإدارة الإشراف.
الريادة النقابية: سكرتير اتحاد نساء السودان بالأبيض، ورئيسة فرع جمعية حماية الطفولة والأمومة.
التأهيل التربوي: عملت أستاذة بكلية معلمات الأبيض ومعهد التأهيل التربوي، حيث غرست قيم «الطريقة التعليمية» في نفوس أجيال من المعلمات.
التنوير الصحفي: ساهمت بيراعها في جريدة «كردفان»، وكتبت عن «تربية النفس» و«قيمة الوقت»، مؤكدة أن نهضة المجتمع تبدأ من عقل المرأة.

الإرث الروحي والاجتماعي

حتى حين انتقلت إلى الخرطوم، لم ينطفئ وهج عطائها، فاستمرت في نشر الوعي الديني والاجتماعي في «بري الدرايسة»، مجسدةً المعنى الحقيقي للمرأة السودانية الصالحة. وقد أنصفتها أقلام كبار الكتاب، فسطّر عن عطائها الأستاذ السر قدور، وخلدت ذكراها الأستاذة نفيسة كامل في مؤلفاتها.

الحياة الشخصية

تزوجت من السيد الجاك مكي، ورزقت منه: خالد الجاك، منال الجاك، منار الجاك، مناهل الجاك.

وداع في رحاب الصالحين

في يوم الخميس 28 سبتمبر 2000م، ترجلت الفارسة عن صهوة جوادها، لتوارى الثرى في «مقابر البكري» بأم درمان، بجوار جدها السيد مصطفى البكري، مخلفةً وراءها ذرية صالحة وإرثاً فكرياً لا يفنى.
اللهم اغفر للأستاذة آمنة السيد مكي وارحمها، وعافها واعفُ عنها، وأكرم نزلها، ووسع مدخلها. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة، وجازها عما قدمت لبنات وأبناء السودان خير الجزاء، واجعلها في أعلى عليين مع الصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً. لقد تركتِ «سيرة من ذهب» ستبقى نبراساً للأجيال.