
كمال حامد يكتب: عبارة الموت .. انتشال 23 والبحث عن 5
من السبت إلى السبت
كمال حامد
مهلاً وأهلاً أيها الموت (75)
عبارة الموت .. انتشال 23 والبحث عن 5
لم أتعود الكتابة تحت عنوان (مهلاً و أهلاً أيها الموت) إلا عن فقيد واحد، ولكني أكتب اليوم عن ثمانية وعشرين فقيداً شهيداً غرقاً داخل مياه نهر النيل المعروف بأنه مانح وشريان الحياة، ولكنه أحياناً يسلبها من أعزاء قصدوا أجر العزاء فكانوا مصدراً لنا لتنال الأجر بالترحم عليهم.
استغل ثمانية وعشرون من أهلنا بمنطقة ديم القراي، مسقط رأس آبائنا وأجدادنا، القارب الحديدي ذي المحرك الصغير إلى الضفة الأخرى من النهر لتقديم واجب العزاء للنصف الآخر من أهلنا في منطقة طيبة الخواض، كعادتهم منذ مئات السنين، ولم يدر بخاطرهم أن القدر يخبئ أمراً آخر يفقدهم حياتهم، ولكن لا يفقدهم أجر وثواب رحلة الواجب و العزاء.
أظن وأرى أن أقدم بعض التعريف بهذه المنطقة حسب معلوماتي المحدودة. المنطقة التي تعتبر الأكثر كثافة سكانية: ديم القراي على الضفة الشرقية للنيل، وبجانبها شمالاً القيزان: قوز الحاج، قوز السيمت، قوز المطرق وقوم السقا، وكبوشية والبجراوية وقدو، ويجاورها جنوباً قرى بارميدو والتراجمة والمسيكتاب والشقالوة وشندي وحوش بانقا والحفيان، ويقارب ويواجه كل هذه القرى على الضفة الغربية من النيل قرى المتمة والكردة والفراحسين وكلي والنوراب والجوير، و(الجبلاب وطيبة الخواض) هما الأقرب لديم القراي، وبعدهما كلي والمكنية وبقروس حتى العقيدة وسقادي والكتياب.
أحاول وأخشى الخطأ عن أصل الاسمين التاريخيين القراي والخواض، ومؤكد أن للاسمين علاقة بالقراءة والتصوف، وليت من هو أقدر مني للتوضيح. ويكفي ما سمعته أن أحد الأولياء الصالحين أراد أن يعبر النيل لإمامة صلاة العيد، فتجاوزته المركب إلى عرض النيل، فما كان منه إلا أن كبّر ثلاثاً وفرش سجادته (الفروة) ووضعها على الماء فعبرت به للضفة الأخرى حيث صلاة العيد المنتظرة إمامته، وصار اسمه (خواض البحر بالفروة)، ويستمر اللقب إلى الأبناء و الأحفاد، ومنهم ابن العم الدكتور مجذوب الخليفة أحمد الخواض، يرحمه الله.
أهل المنطقة، وكلهم ناس أهل، يجمعهم الحب والمصاهرة وتبادل الزيارات على ظهر الحمير أو العبور شرقاً وغرباً بالمراكب، وهنا تكمن المخاطرة قبل تشييد جسري أم الطيور والمتمة (شكراً وبارك الله في الإنقاذ)، ولكن النفس البشرية والكسل وأحياناً الحرص على حسب الوقت، وفوق كل هذا القدر، يجعلهم يفضلون العبارة لتوفر لهم ساعة السفر شمالاً و جنوباً حيث جسري المتمة وأم الطيور، من أجل أن يتم تنفيذ القدر.
قائمة الشهداء الثمانية والعشرين حسب آخر معلومات اطلعت عليها بالأسماء: انتشال ثلاثة وعشرين، آخرهم أمس في منطقة المكابراب، ولا يزال البحث عن خمسة، بينهم سيدة شوهدت تجري بجنون بعد أن أفلت من يدها رضيعها وابتلعته مياه النيل. هذه من القصص التي يتداولها الأهل، وقصة النساء اللائي حضرن للعزاء براً عبر جسر المتمة واخترن العودة مع ناس العبارة، ولكن كان الاختبار للقدر المنتظر.
قرأت أسماء الشهداء مرات، قد لا أعرف بعضهم، ولكن قطعاً أعرف الأسر والبيوتات: أكثر من ستة من آل أبوالقاسم الأغا، منهم بناته الثلاث وفاق ووفاء ووصال، وخمسة من آل عمنا ترير، منهم الأخ عبد المنعم وزوجته الحالية التي تولت تربية ورعاية الأسرة بعد وفاة زوجته الأولى قبل سنوات وشقيقتها وأحد الأعمام وإحدى العمات، وأربعة من آل عثمان مختار، رحمهم الله جميعاً.
وقفت على سيل التعازي والمعزين وعبارات كبيرة في بيانات مجلس السيادة واتحاد المحامين والسيد عبد الرحمن الصادق المهدي، وكلمات ابن العمة النقابي سابقاً الأستاذ الجامعي حالياً الدكتور عباس الخضر المليئة بالإيمان والصبر وتذكر الآخرة، وكذلك الكلمة البليغة من صديقي الدفعة الأستاذ كنزي عباس كنزي.
أما الوفاء الحقيقي فتمثل في بيان نادي الهلال العظيم ناعياً عضوه النشط أخانا عبد المنعم ترير، الذي وصفه البيان بخيرة أبناء النادي ومؤسس مجموعة أوفياء الهلال التي تحولت إلى كيان لرعاية أسر المحتاجين والمرضى، وكتب عنه رئيسه في شرطة بحري سعادة الفريق فيصل عباس ذاكراً مهنيته كضابط شرطة وغيرته على أمن الناس ومتابعة المجرمين والمتفلتين.
عبد المنعم ترير اتخذ موقعه وسط أهله بديم القراي لمساعدة الخارجين من الحرب، وأسس أولاً فرق المقاومة الشعبية في المنطقة وتولى تدريبها على مختلف الأسلحة، ومرة سمعت تعليقه مازحاً: (أخشى ألا يفكر المتمردون في الهجوم على المنطقة) ربما يرحمه.
من بين المعزين حتى أمس الجمعة اخترت وفد والي الولاية ومدير تنفيذي شندي وقائد فرقة الجيش ومواساتهم وإعلان الوالي توفير بنطون عاجلاً للمنطقة، ودعوات لأهالي الشهداء بالصبر والعمل على تخفيف المصاب الكبير.
إلهي ارحم شهداء عبارة ديم القراي طيبة الخواض، واحفظ أرواحهم في حواصل طير أخضر في الجنة، وأجزل الصبر على أسرهم المنكوبة، واحفظ بلادنا مما أصابها و يصيبها، وأن يجعل كل ذلك أجراً وصبراً وكفارة للذنوب.
تقاسيم .. تقاسيم .. تقاسيم
الحاقاً لما أشرنا إليه الأسبوع الماضي عما يتردد حول وجود فساد تجاوز ما كان مشاراً إليه سابقاً، وفي بعض المواقع إشارة لمسؤولين كبار، للأسف رغم هذا نشهد توقيع عقودات مع شركات محلية لإعادة تأهيل و صيانة جسري الحلفايا و شمبات.
الجسران الحلفايا وشمبات تعرضا للدمار بواسطة المليشيا. سمعنا عن شركات مصرية ذات خبرة وأخرى تركية، وللأسف لم نسمع بعرض مشروعي الجسرين والعطاءات أو على الأقل توضيح التوقيع على العقودات دون إشارة لما تردد عن جهات أجنبية، منها ما قام بتشييد الجسرين أو أحدهما، وازداد الشك بعد تجميد لجنة الفريق إبراهيم جابر لتهيئة العودة، وازداد أكثر بعد تعليقه بأنه ليس المسؤول إنما المسؤولية على من وقع العقودات (يا سلام!!).
زميلنا الأخ محمد محمد عثمان مراسل BBC الذي خلفني بعد تقاعدي في 2012م، سبق وأشدت به في أحد مقالاتي، ومرة في حضور مدير القسم العربي الأستاذ عادل سليمان، ولكنه فليسمح لي لم يكن محايداً حياد هذه المؤسسة الضخمة التي يضرب بها المثل في الحياد و الموضوعية.
مراسل BBC في تقريره يوم الأحد الماضي نصب نفسه متحدثاً باسم المليشيا بالرد على بيانات الإدانات التي أعلنت من السعودية ومصر وتركيا وحتى بريطانيا تعليقاً على الاعتداءات الأخيرة على القوافل الإغاثية الدولية. دافع الأخ محمد دون الإشارة لما تضمنته كل هذه البيانات، كما واصل وصف الحرب بأنها بين (طرفين)، وحتى أحد الطرفين وصفه بالحكومة المدعومة من الجيش. ترى هل توجد حكومة في الدنيا لا يدعمها جيشها؟
على النقيض أسعدنا التكريم الدولي في جنيف لمراسل قناة الحدث الشاب المقداد حسن باعتباره أفضل مراسل في 2025، الذي شهد الحفل و تحدث بلغتين عربية وإنجليزية سليمة. أحييه دون أن أعرفه متوقعاً له مستقبلاً مشرقاً في هذا المجال.
وعلى ذكر قناة الحدث السعودية التي تفوقت على كل القنوات في تغطية أحداث السودان الأخيرة، وأزاحت بقوة قناة الجزيرة من المركز الأول للثاني، وكان من المتوقع أن تتدحرج لما بعد الثاني بسبب قناة الجزيرة مباشر و مذيعها الخبيث أحمد طه، ولكن يُحفظ للجزيرة مواقفها السابقة و تقديرنا لدولة قطر و شعبها و أميرها و منظماتها الإنسانية.
وكالة رويترز العالمية ذات المصداقية الأكبر نشرت هذا الأسبوع تقريراً خطيراً موثقاً بالصور من الأقمار الاصطناعية و تصريحات مسؤولين إثيوبيين عن معسكر بني شنقول الذي يبعد ثلاثين كيلومتراً من الحدود السودانية، بتمويل إماراتي كامل لاستيعاب أكثر من أربعة ألف يتبعون للدعم السريع، استعداداً للهجوم على ولاية النيل الأزرق. الإمارات تتحرك لوقف تحرك الجيش إلى دارفور و نهاية الأزمة، ولكن تحركت السعودية و تركيا نحو أديس أبابا للتأكد و وقف المؤامرة.
تلقيت تعليقات عديدة على مقال الأسبوع الماضي عن السكة حديد، تمنيت لو خصصت لها كل مساحة مقال اليوم، وأكتفي بإشارة صديقنا الفريق شرطة طارق عثمان الطاهر الإداري البارز بنادي المريخ عن الفترة التي قضاها مديراً لشرطة السكة حديد.
الأخ الأديب ناجي أحمد البشير خصص مقاله الأخير للتعقيب على أهمية السكة حديد باعتبارها أهم ناقل بري متطور في العالم، وناشد رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس للالتفات للسكة حديد، التي أعادت هذا الأسبوع قطار النيل عطبرة الخرطوم عطبرة وسط الاحتفالات والدموع.
ذكرنا ونذكر المسؤولين للاهتمام ببعض أساتذتنا الذين جار عليهم الزمن والعمر والمرض، وذكرنا أستاذنا ومعلمنا الأستاذ مأمون الظاهر. كتب لي من يذكرني بمعاناة الخبير الرياضي الأخ محمد حسن نقد والزميل الإعلامي التلفزيوني الأخ فريد عبد الوهاب، أما زميلنا الصحفي المخضرم عادل عبد الرحمن الذي يصبر على المرض لأكثر من أربعين سنة فقد ناشدنا الدعاء له.
قد نلتقي السبت القادم إن كان في البدن صحة وفي العمر بقية.