
د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: دور الإعلام في سودان ما بعد الحرب .. بين مسؤولية البناء وتحديات المرحلة
دور الإعلام في سودان ما بعد الحرب .. بين مسؤولية البناء وتحديات المرحلة
د. نجلاء حسين المكابرابي
تمرّ الدول الخارجة من الحروب بمرحلة دقيقة تتداخل فيها الجراح مع الآمال، ويصبح فيها بناء الإنسان مقدمةً لبناء المكان. وفي هذا السياق، يبرز الإعلام بوصفه أحد أهم أدوات إعادة التشكيل المجتمعي، ليس فقط لنقل الأخبار، بل للمساهمة في ترميم الثقة، وتعزيز السلم، وصياغة وعيٍ جديد يواكب مرحلة ما بعد الحرب في السودان.
الإعلام وصناعة السلام
في المجتمعات المنقسمة، يمكن للكلمة أن تكون جسراً أو جداراً. لذلك يُعدّ ترسيخ خطاب السلام أولوية قصوى للإعلام في مرحلة ما بعد الحرب. ويتحقق ذلك عبر تبني لغة مسؤولة، وتجنب الإثارة والتحريض، وإبراز قصص التعايش والتضامن التي تعكس روح المجتمع السوداني. كما ينبغي أن تفتح المنصات الإعلامية المجال أمام مختلف الأصوات، بما يعزز الشعور بالشراكة الوطنية ويحدّ من الإقصاء.
مكافحة الشائعات وخطاب الكراهية
الحروب تخلّف بيئة خصبة للشائعات والمعلومات المضللة، التي قد تُعيد إشعال التوترات. وهنا تتعاظم مسؤولية الإعلام في التحقق من الأخبار قبل نشرها، وتطوير وحدات متخصصة لرصد وتصحيح المعلومات الخاطئة. كذلك، يلعب الإعلام دورًا توعويًا في تعليم الجمهور مهارات التفكير النقدي، بما يقلل من قابلية التأثر بالمحتوى التحريضي أو الزائف.
دعم العدالة والشفافية
لا يمكن تحقيق استقرار حقيقي دون مساءلة وشفافية. والإعلام المهني يُعدّ ركيزة في مراقبة الأداء العام، ومتابعة ملفات إعادة الإعمار، والتعويضات، والخدمات الأساسية. فالتغطية المتوازنة والموضوعية تسهم في تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتؤكد أن الإعلام شريك في البناء لا أداة صراع.
إعادة تشكيل الهوية الوطنية
السودان بلد غني بتنوعه الثقافي والعرقي، وهذا التنوع ينبغي أن يُقدَّم كقوة توحيد لا سبب انقسام. يستطيع الإعلام، من خلال البرامج الثقافية والفنية والوثائقية، أن يعيد إبراز المشتركات الوطنية، ويحتفي بالتراث السوداني المتعدد، ويعزز قيم الانتماء والمواطنة الجامعة.
الإعلام والتنمية المجتمعية
مرحلة ما بعد الحرب تتطلب وعيًا تنمويًا يواكب احتياجات الناس. ويمكن للإعلام أن يوجه الاهتمام إلى قضايا التعليم، والصحة، والدعم النفسي، وتمكين الشباب والمرأة، إضافة إلى التعريف بفرص العمل والمبادرات المجتمعية. وبهذا يتحول الإعلام من ناقل للأحداث إلى محفّز للحلول.
تحديات المرحلة
رغم أهمية هذا الدور، يواجه الإعلام السوداني تحديات كبيرة، منها ضعف البنية التحتية، وضغوط الاستقطاب السياسي، ونقص التدريب والتمويل. لذا فإن تطوير قدرات الإعلاميين، وتعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية، وضمان حرية التعبير في إطار من المسؤولية المهنية، تمثل خطوات أساسية لإنجاح هذه المرحلة.
خاتمة
إن الإعلام في سودان ما بعد الحرب يقف أمام اختبار تاريخي: إما أن يكون أداة لترميم النسيج الاجتماعي وبناء المستقبل، أو أن ينزلق إلى إعادة إنتاج الانقسام. والكلمة المسؤولة، حين تُحسن استخدامها، قادرة على أن تداوي ما أفسدته البنادق، وأن تفتح نافذة أمل نحو غدٍ أكثر استقرارًا وعدلاً.