
حسن بشير يكتب: الرفّاسات في نهر النيل .. خطرٌ يتكرر ومأساة تبحث عن قرار
ضربة جزاء
حسن بشير
الرفّاسات في نهر النيل .. خطرٌ يتكرر ومأساة تبحث عن قرار
ما بين ضفتي نهر النيل، لا تزال “الرفّاسات” تعمل كوسيلة نقل بدائية تفرض نفسها على المواطنين في ظل غياب البدائل الآمنة. ورغم التحذيرات المتكررة والحوادث المؤلمة التي حصدت أرواح أبرياء في فترات سابقة، يتواصل الاعتماد عليها كخيارٍ إجباري لا ترف فيه، خاصة في المناطق الريفية التي تفتقر للجسور ووسائل العبور المنظمة.
حادثة غرق طلاب المناصير قبل أعوام لم تكن مجرد فاجعة عابرة، بل جرس إنذار قوي كشف حجم الخطر الكامن في هذه الوسائل المتهالكة. يومها اهتز الرأي العام، وارتفعت الأصوات مطالبةً بإيقاف الرفّاسات غير المطابقة لمعايير السلامة، وإنشاء معابر وجسور أو توفير عبارات نهرية حديثة تحفظ كرامة الإنسان وحقه في التنقل الآمن. لكن، وكما يحدث كثيرًا، خفتت الضجة بمرور الوقت، وبقي الواقع على حاله.
اليوم يتكرر المشهد المأساوي في مناطق الخواض والقراي، حيث غرق مواطنون وهم في طريقهم لقضاء شؤون حياتهم اليومية. لم يكونوا في رحلة ترفيهية، بل في مسار الضرورة: طلاب، مرضى، مزارعون، وأسر بسيطة لا تملك خيارًا آخر للعبور. هذه الحوادث ليست قضاءً وقدرًا فقط، بل نتيجة مباشرة لغياب التخطيط والإهمال المستمر لملف النقل النهري في المناطق الطرفية.
الرفّاسات، في شكلها الحالي، تفتقر لأبسط مقومات السلامة: لا سترات نجاة، لا حمولة محددة تُحترم، لا رقابة فنية دورية، ولا كوادر مدرّبة على الإنقاذ. كثير منها يعمل بمحركات بدائية وهياكل متهالكة، وتُسيّر غالبًا فوق طاقتها الاستيعابية، خاصة في أوقات الذروة أو مواسم الدراسة والزراعة. ومع أي خلل بسيط أو تقلب في الطقس، تتحول الرحلة القصيرة إلى كارثة.
المؤلم أن الخطر معروف، والحلول ليست مستحيلة. فالتدخل الحكومي المطلوب لا يقتصر على إصدار قرارات منع، بل يجب أن يكون ضمن خطة متكاملة. أولًا، حصر الرفّاسات العاملة وترخيص الصالح منها بعد إخضاعه لفحص فني دقيق، وإيقاف غير المطابق فورًا. ثانيًا، إلزام المشغلين بتوفير أدوات السلامة الأساسية، وعلى رأسها سترات النجاة بعدد الركاب الفعلي، وتحديد حمولة قصوى لا يجوز تجاوزها.
الأهم من ذلك هو الاستثمار في البدائل الآمنة. إنشاء عبارات نهرية حديثة تُدار عبر جهات رسمية أو بشراكات منظمة، يمكن أن يوفر نقلًا آمنًا ومستقرًا، مع تسعيرة مناسبة تراعي ظروف المواطنين. كما أن بناء جسور في النقاط الحيوية ذات الكثافة السكانية العالية يجب أن يكون ضمن أولويات خطط البنية التحتية، فالجسر ليس رفاهية، بل شريان حياة يربط الناس بالخدمات والتعليم والعلاج.
إلى جانب الدور الحكومي، هناك مسؤولية مجتمعية لا تقل أهمية. الوعي بمخاطر الرفّاسات المتهالكة، ورفض ركوبها عند تكدسها فوق الحد الآمن، يمكن أن يساهم في تقليل الكوارث. كما أن الضغط الشعبي والإعلامي المستمر ضروري حتى لا تُنسى هذه المآسي بعد أيام من الحزن.
أرواح الذين غرقوا في المناصير، وفي الخواض والقراي، ليست أرقامًا في نشرات الأخبار. هم قصص وأحلام وعائلات فُجعت. وأقل الوفاء لهم أن تتحول دموع الحزن إلى قرارات حاسمة، توقف نزيف النهر الصامت، وتمنح المواطن حقه البسيط: أن يعبر الماء… ويصل حيًا.