السودان والسعودية .. جهود لإعادة تشكيل القرن الأفريقي

السودان والسعودية .. جهود لإعادة تشكيل القرن الأفريقي

تقرير: الهضيبي يس

أنهى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود زيارةً استغرقت ساعات إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أجرى خلالها مباحثات مع رئيس الوزراء آبي أحمد حول عدد من القضايا المتصلة بعلاقات البلدين على المستويين الاقتصادي والسياسي، إضافة إلى التنسيق المشترك في ما يتعلق بقضايا الأمن في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. وتسعى المملكة العربية السعودية إلى تحييد أديس أبابا تجاه عدد من القضايا التي باتت تلعب فيها إثيوبيا دوراً محورياً، من خلال إبرام مجموعة اتفاقات ذات أبعاد اقتصادية وجيوسياسية، سواء مع دول مثل تركيا، والإمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وهو ما قد يشكل تهديداً جديداً لمصالح الرياض في المنطقة. وفي المقابل، تظل عين إثيوبيا على توفير منفذ بحري لها على البحر الأحمر عقب فقدانها أهم الممرات الجغرافية إثر انفصال إريتريا مطلع عام 1990، ولا سيما منطقة مصوع، مما أثر عليها اقتصادياً وأفقدها قدراً كبيراً من عائدات الصادرات، ودفعها إلى التوجه نحو جيبوتي لاستئجار موانئها مقابل ما يعادل خمسة مليارات دولار سنوياً.

 

 

ومؤخراً، أضحت إثيوبيا تشكل أحد المهددات الأمنية بالنسبة للسودان عقب تواتر تقارير صحفية، من بينها تقرير لوكالة رويترز، تضمن معلومات عن تخصيص إثيوبيا جزءاً من أراضيها لتدريب عناصر من قوات الدعم السريع المتمردة في السودان، قوامها نحو عشرة آلاف شخص، بتمويل إقليمي من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة، في إقليم بني شنقول المجاور للسودان بالقرب من منطقة أصوصا، بمحاذاة إقليم النيل الأزرق السوداني، فضلاً عن توفير الاحتياجات اللوجستية لمعسكر خُصص لتدريب وتأهيل تلك العناصر لتنفيذ ضربات عسكرية ضد السودان.
ووفقاً لمراقبين، فإن زيارة الأمير فيصل بن فرحان إلى إثيوبيا تمثل محاولة لإبعاد أديس أبابا عن مواجهة محتملة مع السودان، وهو ما قد يحول منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط إلى اصطفاف جديد في ظل الحرب الدائرة في السودان، ويؤدي إلى إشغال مزيد من المناطق الجغرافية. كما شملت زيارات الخارجية السعودية إريتريا حيث استقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي بعد يوم من زيارة وزير خارجيته ولقاءه مع الرئيس الأثيوبي.
وتقود السعودية، برفقة حلفائها في مصر، وتركيا، وقطر، والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وألمانيا، والإمارات العربية المتحدة، محاولات لإنهاء الحرب في السودان وإنقاذ ما يُعرف باتفاق جدة للسلام بين الجيش والدعم السريع لعام 2023، وفق مصفوفة الترتيبات الأمنية الواردة في الاتفاقية.
ويشارك السودان منذ نحو عشر سنوات ضمن التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية، خاصة في ظل التطورات العسكرية الأخيرة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمكلا جنوب البلاد، وطبيعة المواجهة السياسية التي تكاد تكون غير مسبوقة بين الرياض وأبوظبي، مما أسفر عن حرب باردة سعت بعض الأطراف في منطقة الخليج العربي إلى احتوائها.
ويؤكد الباحث في الشؤون الدولية إبراهيم ناصر أن الخطوات التي اتخذتها إثيوبيا، والإفصاح عن تطلعها المستقبلي لامتلاك منفذ بحري، إلى جانب التنسيق بينها ودولة الإمارات، قد زادت من مخاوف السعودية تجاه تكوين تحالف إقليمي جديد قد يهدد مصالحها في الشرق الأوسط وأفريقيا، ويضاعف حجم المخاطر المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر. لذلك تهدف الرياض إلى تحييد أديس أبابا بما يكفل الحد من تحركاتها الأخيرة تجاه السودان والصومال.
ويضيف ناصر أن إثيوبيا تسعى إلى توظيف التعقيدات والاستفادة من الأزمات المحيطة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا لتحقيق مزيد من المكاسب الاقتصادية والسياسية، إلا أنها في الوقت نفسه تواجه إشكالات داخلية، على غرار ما يحدث في إقليم تغراي، والخلافات مع سكان تلك المناطق، إضافة إلى توترات مستمرة مع إريتريا والصومال، الأمر الذي يدفعها إلى البحث عن مكاسب خارجية لتعويض ضغوط الداخل.
ويختتم ناصر بالإشارة إلى أنه في شأن الأزمة المتوقعة مع السودان، قد تتراجع إثيوبيا عن قرار فتح أراضيها لعناصر الدعم السريع لتنفيذ عمليات عسكرية، إذ تدرك حجم وقدرة السودان على الوصول إلى العمق الإثيوبي، كما ينبغي عليها أن تضع في الاعتبار أن ما يمر به السودان ليس نهاية المطاف، وأن ثمة متغيرات قد تطرأ، وحينها قد تخسر إثيوبيا أكثر مما تكسب إذا مضت في خطواتها الحالية على الأرض.