سالفات المباني وخالفات المعاني

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

سالفات المباني وخالفات المعاني

 

حين تصير الفواجع معياراً للصحوة

حتى قبل عام واحد لم يكن لنا وطن ففي لحظة من لحظات الغفلة والغيبوبة الوطنية إستطاع بضعة آلاف من المرتزقة المدعومين أن يحتلوا بلادنا ويهزموا شعبنا، حتى قبل عام كانت بيدهم النيل الأزرق ، الجزيرة، والنيل الأبيض، وقد احتلوا الخرطوم كاملة بكل كبرياءها وتاريخها ومؤسساتها، وكانت كل المدن في مرمى الحجر الأجنبي الذي ينفذون خطته بلؤم ومُكر وبشاعة، حتى قبل عام لم تكن المنازل آمنة ولا الحرمات ولا الأعراض ولا الطرقات ولا الجامعات ولا الجوامع كان كل شئ محتلاً حتى الماء والهواء فقد أخرسوا كل شئ فتوقفت القماري والعنادل عن النشيد، حتى قبل عام كان كل شئ برائحة الدم والدموع، كانت الكلمات نفثات وكانت المناداة بالعبرات وكان الصمت هو أعلى حالات الهُتاف وعندما استيقظ الشعب واسترد الديار وفك أسر الحرائر والأحرار وعادت المؤسسات التعليمية والصحية وعادت الأسواق والأشواق ودبت في خلايا وشرايين المدن الحياة بدأ الناس يسمعون ويقرؤون عن الشكاوي المعتادة في الحياة الرتيبة والراتبة أزمة في المياة هنا وأزمة في الكهرباء هناك وأن الشرطة ليست كافية في تلك الحارة وأن تلك المدرسة بنصف المعلمين وأن ذلك المستشفى يفتقد للأدوية المنقذة للحياة وأن هنالك أزمة في المحروقات وأن الخضروات أصبحت باهظة الثمن وأن الخبز أصبح بالصفوف وأن الأسعار أصبحت لا تُطاق .
يا للبشرى فحتى المآسي والمواجع والعثرات وضيق ذات اليد وندرة الخدمات أصبحت هي المؤشر الوحيد على أوبة الحياة وعودة السكان وتتابع الخطى صوب المساجد والمشافي والمدارس ورغم كل هذه المصاعب والبيوت التي أصبحت بلا مٌعينات بعد عمليات النهب الممنهجة والحرائق المرسومة بحذق، نعم أصبحت كل هذه المصائب من البشريات المؤذنه بالصحوة وتركيب الحياة القادمة رغم تلك كل المآسي ورغم أنف المواجع والمظالم وخيانة القريب والغريب فيا لبشرى نكررها ألف مرة (كنا وين وبقينا وين).

أرفعوا أكف الدعاء لهذا الخواجة فقد أهدانا سوءاتنا
ألف مبروك للخواجة دونالد ترامب الذي ملأ الدنيا زعيقاً بأنه رجل السلام الذي يستحق جائزة نوبل وقد ذهب أبعد من ذلك بأنه يستحق الجنة على ما فعل (هذا الفعل الذي يتوجب عليكم أن تسألوا عنه جيفيري أيبستن إن كنتم تعقلون) وفوق ذلك دعواه بأنه مبعوث العناية الإلهية الذي أوقف الحرب في غزة وهو الذي شارك مع الإدارة الأمريكية الشريرة السابقة والخالفة على قتل 70 ألف فلسطيني برئ وهدم مئات الآلاف من المدارس والمؤسسات وجعل مع سيده نتنياهو واللكود اليمين الإسرائلي المتطرف مساحة فلسطين المتاحة للفلسطنين أهل الأرض لا تتجاوز ال4% من المساحة الكلية والتي كانت قسمتها مناصفة بعد عام 48 .
ولأن الرجل سادرٌ في غييه باحتلاله للعالم العربي الآن بمواخره وطائراته وقذائفه وجنوده وهو يستعد لضرب إيران المسلمة فإننا نذكره بآخر تقرير لوقف إطلاق النار الذي يفتخر به وسط المخدوعين من العرب والمسلمين نعم سنهديه آخر تقريرعن غزة المنكوبة بعد إتفاقيته ووقف القتال والإقتتال والدم المسفوح
1_ فلتعلم يا عزيزي الخواجة دونالد ترامب أنه منذ أن وقعت إسرائيل وقف إطلاق النار على غزة منذ شهور فإن عدد القتلى الآن من ضحايا غزة قارب ال600 قتيل.
2_ وفي كل يوم تدك المقاتلات الإسرائيلية ألالاف المساكن وما تبقى من المساجد والمشافي والمدارس.
3_ وفي كل يوم تغتال إسرائيل قيادياً من مناضلي فلسطين ، تغتال ذات الذين وقعت معهم وثيقة إيقاف إطلا ق النار.
4_ وفي كل يوم تقضم إسرائل من أراضي غزة والضفة الغربية ما تختاره وتضع الحد الأصفر حيث تشاء ،حتى كاد أكثر من مليوني فلسطيني أن يبلغوا حائط السد ويقرعونه برؤوسهم حيث أصبحت مسافة الفارق ما بين الفلسطيني والفلسطيني تعد بالسنتميترات .
5_ تُرى هل يعلم الخواجة ترامب أن الجرحي والمبتورين وأصحاب الحالات الخاصة الذين يُحلمون عبر رفح للعلاج تطاولت مأساتهم وانتظارهم حتى كان رجاء الموت واحداً من أغلي أمانيهم.
6_فإذا أضفت إلى ذلك معاناة البرد والجوع والخيام التي لا تغني عن زخات المطر ولا عن زمهرير الشتاء خياماً لا تحمي عورة ولا تستر حرة ،وإضافة لكل ذلك فهي معرضة لحريق المدافع وضربات الطائرات المقاتلة والدعوات تتصاد ليل نهار اللهم إن كانت هذه الحياة في حماية أمريكا والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية اللهم إنا نسألك موتاً عاجلاً فما عادت الأجساد تقوىعلى الإحتمال ولا الأرواح تحتمل ذلاً ومهانة أكثر من الذي تعيشه ليل نهار ، اللهم موتاً قبل طلوع الفجر وقبل المغيب.
إن كل هذه المفاخر الصهيونية والصليبية تستحق بها عزيزي دونالد ترامب الجنة التي زعمتها وأن تنال بها جائزة نوبل للسلام التي تمنيتها وأن نرفع لك الأكف اللهم اجزي ترامب خير الجزاء فقد علم أكثر من ملياري مسلم كيف أن هزيمتهم ميسورة ب6 ملايين فقط من يهود الشتات ومطاريد الأرض والسماء .

حديقة الحيوان أم حديقة الإنسان!
لا تظنوا أن الإستبداد ذهب بذهاب الأسد ففي كل غابة عربية هنالك شبل تدربه مخابرات الناتو على الإنقضاض وتسانده بالصمت الآثم ، ومثل الناس فاللأسد العربي أيضاً فواجعه وأحزانه الخاصة .
صحيح أن شوقي قد كتب في أدب احيوان ولكن كتب فيه أصحاب القصيدة الحرة السياب والبياتي والماغوط ومريد وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم لكن لا أحد إستطاع أن يتجاوز مديح المتنبي في مديح ملك الغابة وتظل أبياته التي لو قيلت أمام الأسد لهتف إستحسانا بلغة فصيحة لله درك يا أحمد بن الحسين
وَردٌ إِذا وَرَدَ البُحَيرَةَ شارِباً
وَرَدَ الفُراتَ زَئيرُهُ وَالنيلا
مُتَخَضِّبٌ بِدَمِ الفَوارِسِ لابِسٌ
في غيلِهِ مِن لِبدَتَيهِ غيلا
ما قوبِلَت عَيناهُ إِلّا ظُنَّتا
تَحتَ الدُجى نارَ الفَريقِ حُلولا
في وَحدَةِ الرُهبانِ إِلّا أَنَّهُ
لا يَعرِفُ التَحريمَ وَالتَحليلا
يَطَءُ الثَرى مُتَرَفِّقاً مِن تيهِهِ
فَكَأَنَّهُ آسٍ يَجُسُّ عَليلا

ومن باب الشعر الحر ( القصير التيلة) قصيدة الأسد للبرغوثي التي أسماها ( رسالة الوحش)

قال الأسد
في رسالته إلى زملاءه في الغابة:
كيف أصف لكم سعادتي بوضعي الجديد؟
هنا
في الحديقة المسورة
لم أعد أجهد نفسي بتدبير شؤوني
فلدي من يحدد طعامي ونومي
ومن يحدد لي متي أزأر ومتى ألهو
ولا يحظى بزيارتي إلا من يحمل بطاقة
هكذا ارتقيت من منزلة الوحوش
إلى منزلة البشر
فأنا كأهل البلاد تماماً
أروح وأغدو في مكاني
ولدي، مثلهم ، كل شئ..
قفصٌ لا أملك مفتاحه
وحارسٌ لا ينام

علماء السوء
من كلمات الإمام الغزالي الكبير في إحياء علوم الدين كلمات يجلد بها علماء السوء الصغارالذين يجعلون لهم إماماً يُحسِن لهم طريق المساوئ والكسب الحرام يحتال بالدين للدنيا ليسحتها كالسامري بلا عقل ولا دين.
يقول الغزالي قدس الله سره في هذا الباب: علماء الدنيا يدخلون (على السلاطين) ليتقربوا إلى قلوبهم فيدلونهم على الرخص ويستنبطون لهم بدقائق الحيل طرق السعة فيما يوافق أغراضهم، وإن تكلموا في معرض الوعظ لم يكن قصدهم الإصلاح بل اكتساب الجاه والقبول عندهم.

مئة عام من العزلة
أحد ممثلي الكوميديا في أمريكا حكى لطيفة عن جدته قال: إنها ماتت فوق المئة عام شهدت الحرب العالمية الأولى والثانية وحرب الكوريتين وضرب هيروشيما وناجازاكي ووعد بلفور وقيام دولة إسرائيل وحق تقرير المصير للدول المستعمرة والإعتداء الثلاثي على مصر عام 56 واغتيال كيندي وإقصاء نيكسون وهزيمة 67 وانتصار 73 واحتلال الكويت وتفجيرات مركز التجارة العالمي وفوز فرنسا بكأس العالم وطرد زيدان بعد النطحة واساقط صدام حسين وانفصال جنوب السودان ووفاة مايكل جاكسون ووفاة الجوهرة السوداء بيليه، ومئات الاحداث السياسية والإقتصادية والرياضية والفنية ولكنها ويا للسعادة لم تسمع بأي حادث من هذه الحوادث فقط كانت تعد إفطارها في المطبخ بعناية وتدخن سيجارتها بالحديقة الخلفية بمنزلها العتيق وصدق أبو الدرداء رضي الله عنه حين قال: (مَنْ يَزْدَدْ عِلْمًا؛ يَزْدَدْ وَجَعًا).

خذوا الحكمة ولو من ألسنة اليونان
من لطائف أفلاطون أنه كان يسخر من الحياة الراتبة للناس وكان يطالب تلاميذه بأن يجعلوا لكل حركة وسكنه في حياتهم معنى لتوثق وتعلم للناس وكان يرى بأن حركة الإنسان في الحياة بلا معنى أو منهج أو تدبر حياة لا قيمة لها بل إنه يرى أنها لا تستحق العناية ولا الإهتمام وعبارته المشهورة عند أهل الفلسفة: (الحياة التي لا تُدرس لا تستحق أن تُعاش) .

دعاء الجاحظ المتفرد
الجاحظ كاتب العربية الأول بلاغة وبياناً وإيجازاً وكان الجاحظ من المعتزلة وله أدعية غير مألوفة عند الجمهور ومنها
الحمد لله الذي جعل بعض الإختلاف داعية الائتلاف وجعل الشك داعية إلى اليقين.
(آميين يا جاحظ)

المعجبون بالمتنبي رغم أنفهم
كان المعري إذا جاء خبر الشعراء ذكرهم بأسماءهم ولكن حين يأتي خبر المتنبي فلا ينطقه ولا يكتبه إجلالاً له ولشاعريته فإن وجدت في كتاباته قال الشاعر فإنه يعني المتنبي. ولعل شاعرية المتنبي قد أخفت تحت أجنحتها المرسلة البِيض شاعرية الكثير من الشعراء الكبار فطالت عقوبته الحميدة البحتري وأبو تمام وعاشقه المعري ولكن كل هذا لا يمنع أن هؤلاء كانوا من السابقين في الشاعرية والتجويد والإبانة ومن أبيات المعري التي كانت تُجمل منتديات أم درمان الأدبية قصيدته الشهيرة التي يبتدرها
أرى العَـنْـقاءَ تَكْبُرُ أن تُصادا
فـعـانِـدْ مَـنْ تُـطـيـقُ لهُ عِـنادا
ومــا نَهْــنَهَــتُ عــن طَـلَبٍ ولكِـنْ
هـيَ الأيّـامُ لا تُـعْـطـي قِـيادا
فـلا تَـلُمِ السّـوابِـقَ والمَطايا
إذا غَــرَضٌ مــن الأغـراضِ حـادا

ويستزيد بقوله:

إذا ما النّارُ لم تُطْعَمْ ضِراماً
فــأوْشِـكْ أنْ تَـمُـرَّ بـهـا رَمـادا
فــظُــنّ بــســائِرِ الإخْـوانِ شَـرّاً
ولا تــأمَــنْ عــلى سِــرٍّ فُــؤادا
فـلو خَـبَـرَتْهُـمُ الجَـوزاءُ خُـبْري
لَمـا طَـلَعَـتْ مَـخـافَـةَ أن تُكادا
تَــجَـنّـبْـتُ الأنـامَ فـلا أُواخـي
وزِدْتُ عــن العـدُوّ فـمـا أُعـادى
ولمّــا أنْ تَــجَهّــمَــنــي مُــرادي
جَـرَيْـتُ مـعَ الزّمـانِ كما أرادا
وهَــوَّنْــتُ الخُــطــوبَ عــليّ حـتـى
كـأنـي صِـرتُ أمْـنـحُهـا الوِدادا