شعراء منسيون وأغنيات خالدة (2)

شعراء منسيون وأغنيات خالدة (2)

بقلم: أمير أحمد حمد

نواصل في هذا المقال التعريف بشعراء بعض الأغنيات السودانية التي جمّلت وجدان المستمع والمتذوق السوداني للأغنيات الجميلة. ولكن ظلت سيرة شعرائها في طي النسيان وعدم معرفتهم إلا فقط للمهتمين بأمر الأغنية السودانية، وهم كثر. وقد ذكرت في المقال السابق عددًا من الأغنيات والشعراء، وها أنا الآن أفي بوعدي لكم وأتطرق لأغنيات أخرى اشتهرت بين الناس وعبرت عن مشاعرهم وأحاسيسهم دون معرفة كاتبها. ونبدأ هذا المقال بالشاعر الجميل الأستاذ محمد خير عوض، الرجل صاحب الإحساس المرهف، وهو من الشمالية أصلًا، ولكنه أمدرماني الهوى. كان يعمل في البوستة مصلحة البريد والبرق، تلك المصلحة التي انضوى تحت لوائها عدد مقدر من مبدعي بلادي من شعراء ومطربين، أمثال الأستاذ الشاعر عبد الله النجيب شاعر «العيون»، متعه الله بالصحة والعافية، والشاعر محمد يوسف موسى، والشاعر الرقيق مصطفى عبد الرحيم صاحب أغنية «هوج الرياح» للجابري و«تذكار عزيز» لإبراهيم عوض و«غرام الروح» لزيدان، وكذلك الشاعر الضخم مصطفى سند، والفنان صلاح مصطفى وغيرهم من المبدعين.
وشاعرنا محمد خير عوض كان من ضمن هذه الكوكبة المبدعة التي أنارت سماء الإبداع الغنائي، فكانت برقًا وسنا وغناءً احتفى به المستمع والمتذوق السوداني كثيرًا. كانت مساهمة الشاعر محمد خير عوض مساهمة جديرة بأن نذكرها في هذا المقام، فقد غنى له الفنان الشعبي الطروب محمد أحمد عوض بأغنية رائعة لحنها له الموسيقار وعازف الكمان أحمد المبارك، الرجل الفنان الذي ساهم في تلحين عدد من الأغنيات شأنه شأن عدد من العازفين الذين لحنوا لمطربين كبار، أمثال شيخ العازفين عبد الله عربي رحمه الله، حيث لحن للفنان كابلي النشيد الشهير من كلمات عبد المجيد حاج الأمين (هبت الخرطوم في جنح الدجى)، و(يا سُبا) لمحمد ميرغني، ولعثمان مصطفى أغنية (فيها لو جيتنا زائر بالدرب وتقول سلام). فأحمد المبارك لحن أغنية «سالم الناس»، وقد زادها محمد أحمد عوض ألقًا وجمالًا بصوته المعتق الطروب. وأحسب أنه لو غنى دون مصاحبة إيقاعات وآلات لأطرب المسامع واستحوذ على المجامع.

سالم الناس إلا لي ما مد إيدو
ماهو عارف ماهو حاس كيفن بريدو
كنت بفتكر الظروف لو يوم تجيبو
يطرا زولا شوقو يا ريت كان يصيبو
كنت عشمان قلبي ما يزود لهيبو
إلا يظهر ناوي جمر الصبر يزيدو
ما ده حالو ما ده طبعو الكنت عارفو
الغرام خلي القلب يهواه ويوالفو
الغرام حكام من البقدر يخالفو
والقلب إخلاصو باين ما بفيدو

ومن جميل أغنياته تلك التي منحها للفنان الراحل عبد العزيز العميري، والتي أبدع في تلحينها الدكتور الماحي سليمان وغرد بها بصوته العجيب، ولعل الكثيرين يعتقدون أنها من تأليفه ونظمه، ولكنها من تأليف شاعرنا محمد خير عوض، وهي أغنية (ولي زمان الحب) والتي يقول فيها:

ولى فلا تبكي مشيئة القدر
يكفي البكاء يكفي
ما باحه وتري
للأنجم الحيري لليل للقمر
الدمع لن يحيي ميت المنى
كلا
حبيبتي ولى زمان الحب، زمان الحب
بالأمس كان الحب الآمر الناهي
يرضى وما يأبى بلواه أشباهي
غنى بلا ترتيل الأمس
بالله
يأتي الربيع غدًا لن أعدم الظلا
حبيبتي ولي زمان الحب

فعلاً، ولى زمان الحب، وولي العمر، وترك فينا حسرة ولوعة تتجدد كلما استمعنا لصوته الشجي المفعم بالطرب الأصيل.
أما مساهمة الشاعر الأخيرة في هذا المقال فكانت من نصيب ثنائي الجزيرة وأغنية «مدني» التي يقول فيها:

لأرضك الخضراء دي الريدة جابتنا يا مدني
يا مدني ما بننساك يا الفيك محبتنا يا مدني.
أيامنا ديك أزهار لليلة فواحة
وصباح يشيع أنوار أطيارو صداحة
لو لينا باقي سنين يا ريتنا نرتاحه
نتهنا بي قربك وجمالك الواحة
يا مدني حسنك كم من نبعو
عبينا
عشان حبيبنا الفيك كم قلنا غنينا
يا مدني

جاءت هذه الأغنية بصوت الثنائي الجميل، وقد وضع لها هذا اللحن الجميل الملحن الأستاذ إسماعيل عبد الرحيم، أحد مبدعي مدينة ود مدني الجميلين حقًا. مدني بلد الإبداع، فقد ساهمت بعدد مقدر من مبدعيها في مجال الأغنية السودانية من مطربين وملحنين، أمثال الكاشف ومحمد الأمين وعركي، والملحن البارع صديقي الدكتور عبد الماجد خليفة، والملحن صلاح جميل، متعهم الله بالصحة والعافية، والقائمة تطول. وفي الختام، لك أن تعلم عزيزي القارئ أن الشاعر محمد خير عوض له ديوان من الشعر بالفصحى كتب مقدمته الأستاذ الشاعر مصطفى سند الذي عاصره بمصلحة البريد والبرق، وشهد له فيه بأنه أشعر منه، ولكن للأسف لم يجد طريقه للنشر. الرحمة والمغفرة للشاعر محمد خير عوض وأسكنه فسيح جناته.