صديق المجتبى يكتب: مافي الجبة إلا أم درمان .. صغير فوق (من أدب المُجايلة)
مافي الجبة إلا أم درمان
صغير فوق (من أدب المُجايلة)
صديق المجتبى
يقول أهلنا الطيبون: “الكلمة الطيبة بخور الباطن”، والبخور لا يصدر إلا عن عود طيب. وإذا خصك كريم ابن كرام بالحمد والعرفان فاعلم أن كلماته تصدر من عمق الوجدان، وأبناء الجيل يشملهم وجدان واحد يشكل ضمير الجيل، وهو مجموعة أحاسيس وعواطف وأفكار تتناغم وتتمازج لتكون وجدان الجيل، أو هو الضمير المشترك بين الجيل المعين في عصر واحد، وليس كل أبناء الجيل الذين يتعاصرون في حيز الزمان واحد.
لأن المجايلة ليست بالوجود في عصر واحد، وإنما بالحضور الواعي والشهود الفكري والثقافي والروحي بين أبناء الجيل، وإنما الجيل الذين جمعت بينهم أفكار ورؤى وسرائر ومشاعر وعقيدة جعلتهم يشكلون نسيجاً واحداً، كل يمثل ملمحاً من رونقه.
أخي حسين، لك كل الحب والود والعرفان على كلماتك تلك التي نفثها يراعك العبقري المقروء في حقي وأسرتي وأهلي الكتياب، وبين ذلك كله قبيلة أمدرمان التي ضمتنا في ميعة الصبا وريع ربيع العمر وزهرة الشباب وآماله وأشواقه وطموحاته. رسمنا مستقبلنا في زمان كانت تتخطف فيه الشبابَ أهواءٌ وأفكارٌ شطت بهم بعيداً عن الأصل والمحتد الثقافي. لم نلتق في أندية الطرب واللهو والعبث، بل التقينا في مراكز صناعة الفكر والوعي بعيداً عن تلك المنتديات التي كانت عبارة عن مغاسل حديثة للعقول وغرس الأفكار السامة، فيخرجون مسخاً مشوهاً مثل الذين تنكروا لوطنهم الآن يظنون أنهم يحسنون صنعاً.
التقينا في أعرق البيوت والصوالين الأدبية التي شهدنا آخر رمقها منذ منتصف السبعينات إلى آخر التسعينات، كنا كالعصافير نطير بينها من فنن إلى فنن. في مكتبة أمدرمان المركزية ومنتدى الشعراء الشباب، حيث نلقي أشعارنا أمام كبار الشعراء والنقاد وهم يصوبوننا كفاحاً ويرشدوننا ويتنبأون لنا بمستقبل باهر، أو يطلبون منا مزيداً من المراجعة والتدقيق والإطلاع، ونحن في حضرة عمالقة الساحة الثقافية.
ثم نلتقي في ندوة فراج في أبي روف في بيته على شاطئ النيل عند مهد ميلاد نهر النيل العظيم، وقد جمعت وأوعت من عمالقة الأدب والفكر والسياسة، وكنا نمثل لوناً فريداً بين الشباب لما وجدنا من أساتذتنا فراج الطيب السراج وعبد الله الشيخ البشير ودكتور حسن عباس صبحي ومصطفى طيب الأسماء وخالد أبو الروس من حسن الرعاية والاهتمام، إلى جانب من تعرفنا بهم من الأدباء والشعراء والدبلوماسيين من سفراء الدول الشقيقة من اليمن والشام ومصر.
كانت أمدرمان قبيلتنا، ولم يخطئ الرحالة البريطاني ألان مورهد حين أطلق عليها في كتابه The White Nile قبيلة أمدرمان؛ هل لأنه لمس فيها صفات مشتركة بين أهلها أم لأنه يجهل الخارطة الإثنية للقبائل التي تشاطئ النيلين الأبيض والأزرق. على كل حال لقد أصاب حيث أخطأ، فعلاً أمدرمان كانت القبيلة الثقافية الجامعة التي انصهرت فيها كل قبائل السودان، فصارت أم القرى وضمير السودان الوطني.
جمعتنا صوالين أمدرمان في أفراحها وأتراحها التي كانت تشكل صوالين اجتماعية وثقافية عفوية يلتقي فيها رواد الحركة الوطنية والفكر والسياسة، حيث تجد ظرفاءها ورموزها الاجتماعية ونجوم أهل الرياضة والفن يأكلون في مائدة واحدة ويتبادلون الملح والطرائف والحكم الشعبية. حقيقة كان العظماء يأخذون الحكمة من أفواه الجماهير؛ تجد الهادي نصر الدين واسطة عقد مجلس الإمام عبد الرحمن المهدي وغيره كثر. لم تكن في شرعتنا قمة وقاعدة، فالناس كلهم عظماء يجمع بينهم فاخر السجايا وكبرياء الفتى الفقير. نحن أبناء ذلك النسيج العبقري الذي حاكه نَوْلُ الزمان.
أخي حسين، إن كتابة ابن الجيل عن أبناء جيله ضرب من الأدب حفظ لنا صورة حية عن العصور الخالية، وشهود العصر هم الذين يهتكون ستر حجاب العصر. وقد قال الأقدمون: “المعاصرة حجاب”، وهذا الحجاب ليس في المعاصرة نفسها، وإنما هو علة في نفوس أبناء العصر أو الجيل الواحد الذين شغلتهم العصبيات المذهبية والسياسية عن النظر إلى الآخر بشفافية صدق وكشف جوهره الجميل. قال الفيتوري رحمه الله:
لن تبصرنا بمآقٍ غير مآقينا
لن تعرفنا
ما لم نجذبك فتعرفنا وتكاشفنا
أدنى ما فينا قد يعلونا
يا قوت
فكن الأدنى
تكن الأعلى فينا
هذه هي روح الإنسان السوداني الصوفي، وهذه هي المكاشفة بيننا في أسمى صورها.
تولد الحكمة صدفة في موقف في السوق من موقف طريف أو حوار بين درويش متجول في السوق وأحد الكبار، فنداح وتصبح حكمة ملهمة لأهل الرأي، هذا هو نسيجنا.
تاريخنا الحقيقي لم يكتب، لأن النخب الذين صنعهم المستعمر ترفعوا عن مجتمعهم وثقافتهم الشعبية. لذا جاء الإسلام بأدب السيرة، والسيرة ليست تاريخاً يرصد الأحداث والوقائع مستلة عن سياقها الاجتماعي والثقافي، بل حركة تتبع مسيرة الإنسان في الحياة بدءاً من سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مروراً بسير الصحابة وسير العلماء والأدباء والعظماء التي تأتي في سياق حياة عصورهم وليست مستلة منه، فيصبح العصر محتوى ثقافياً إنسانياً وليس مجرد حيز زماني يختلط فيه الحابل بالنابل.
كلماتك في حقي قلادة فخر لي ولجيلنا، وهي دليل عافية أبناء جيلنا، وهذا نهج نفتقده في حيواتنا الأدبية والثقافية. فالمرء لا يقف وحده في عصره، وإنما هو نتاج عصره، وقد لا يرى في نفسه ما يراه أبناء جيله.
بدأت ألوان فكرة في سوق أمدرمان في دكانة والدكم (الدوحة تكستايل)، وكانت بجانب ذلك منتدى للشباب من أبناء جيلنا، إذ كان المكان على ضيقه جوار جامع أمدرمان الكبير يتسع لعدد كبير من الأصدقاء، حيث يدور نقاش حول القضايا الثقافية والأدبية. وكنت تملك موهبة ممارسة البيع والتفاوض مع الزبائن ومواصلة الحوار مع ضيوفكم في نفس الوقت. نبعت فكرة ألوان من هناك، من قلب السوق، وهذا ما أكسبها الطابع الجماهيري؛ كانت واجهة للحركة الإسلامية الثقافية في أيام سطوة اليسار واحتكاره لأجهزة الإعلام الرسمية. كنا نعود من صحفهم كاسفين مغبونين لعدم نشرهم مقالاتنا وقصائدنا بخطة ممنهجة، رغم أننا كنا نقود تياراً ثقافياً إسلامياً وسطياً وحرصنا على أن نكون ضميراً للثقافة الوطنية السودانية التي كانت في جذورها ثقافة وسطية إسلامية.
كانت لوثة الحداثة والتمرد على التراث حركة يقودها اليسار، وكانت وهماً في أذهان النخب اليسارية، ولكنها منبوذة في الشارع الثقافي. كانت خطة ألوان أن تتصدى لهم بخطاب ثقافي تراثي شعبي يجذب عامة القراء، فكانت المسادير والحكايات التراثية وأقوال الظرفاء والحكماء مادة نستلهم منها الحكمة في معالجة الأمور السياسية، وكان الوخز بالكلمات علاجاً لطيفاً لمن يعانون من الشلل الذهني؛ فهي وخزة تجعل القارئ ينتبه ويتحرك عقله وشعوره، فيبتسم حدة الوخز لمن يهمهم الأمر.
كنا نتلطف في طريق وعرة نحو المستقبل. كان رأسمال الصحيفة فكرة وماكينة طباعة ريمستار ومجموعة من الشباب المبدع في فن الإخراج الصحفي والنسخ العربي، ولم يكن برنامج الناشر المكتبي موجوداً في ذلك الوقت، ولكن إبداعات الكادر الفني تفوقت على النمط الصحفي المألوف. كان لمطابع التصوير الملون دور كبير في إصدار ألوان كأول صحيفة ملونة في السودان، فكانت جاذبة للقراء بمظهرها ومخبرها.
وكان الكادر الصحفي والفني من الذين يؤمنون برسالة الصحيفة ومشروعها التجديدي للعمل الصحفي في السودان، وقد منهم نحبه شهداء في صيف العبور مثل المخرج الفنان عبد القادر علي والدكتور أسامة عبد اللطيف الخبير في عملية الصف الإلكتروني والخطاط الفذ الفنان الهادي الأمين، رحمهم الله جميعاً. ولا ننسى الأخ الصحفي علي السنجك الذي استشهد دفاعاً عن حرائر البوسنا سيربنيتشا، كما حكوا لي عنه هناك عند مشاركتي في مؤتمر الاستشراق في البوسنا والهرسك نظمته مؤسسة الباطين في دورة الشاعرين محمد إقبال والشاعر البوسني محمد علي دازدار.
أتمنى على الأخ حسين أن يكتب سفراً عن قصة نشأة جريدة ألوان، فهي قصة تستحق أن تُدرس في مناهج الصحافة.
ولا أود أن أطيل، وربما يكون للحديث بقية.