
كلام وسلام قبل الصيام
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
كلام وسلام قبل الصيام
ماراثون السخاء
قرأت مقالاً حزيناً لأحد الإخوة العرب يتحسر فيه على السودان العريق وهم من الذين زاروا بلادنا في رمضان قال: إن أغرب قُطاع الطرق الذين شاهدهم في حياته كانوا في السودان والذي سمعه عن هذه المِلة أنها تقطع الطرق والمحابس وتنهب الناس أغراضهم وإن تأبوا قتلوهم وأخذوا أموالهم عِنوة من بين أيديهم و دماءهم.
إلا أن قُطاع الطرق في السودان هم الذين يقطعونها بعمائمهم ويسدون الطرق على المسافرين ويمنعون السيارات من المرور بقسم مُغلظ أن ينزل كل الركاب ليتناولوا إفطار رمضان وبعد الصلاة يمضون في سبيلهم وإن استعجلت فهم يقسمون أن تأخذ الزاد معك ماء قراح وقِرى و(مطايب لا نجدها حتى في بيوتنا).
هذا هو السودان عزيزي العربي الزائر الذي لن يصبح فعلاً ماضياً ولا تاريخاً مطموراً رغم أنف المؤامرة إننا نُزف إليك البشارة ونحن على أعتاب رمضان بأن الكِرام في الريف ومداخل المدن وعلى الطرقات والمحابس قد أعدوا العمائم لقطع السبيل على قلة الزاد وضيق اليد ولكن الكرم يبقى أبداً في القلوب والنفوس الخيرة لا في الصِحاف ولا الجفان .
أما قطع الطريق الآثم فهو هناك في كردفان ودارفور يمارسه مهنة هؤلاء الأوغاد من المرتزقة وذئاب الشتات الذين لا يعرفون كرماً ولا كرامة بل يعيشون كَدا على أموال الأخرين وامتصاص دماء الغُبش فهم ليسوا منا ونحن لسنا منهم ،فغداً ستعود كردفان الطاهرة كما عهدناها مرتعاً للسخاء والرخاء وضيفان الهجوع وتعود دارفور ملاذاً للأقربين والغرباء وخلوة للقرآن ومضيفة للعابرين.
ولأن السودان مليئ بأهل الكرم والسخاء والجود فإن هذه الحكاية التي وجدتها في دفتر قديم أردت بها أن تحرض أبناء شعبنا بأن يُقدموا مثل هذه الأمثلة عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، عَرَابةُ الأوسي و قيس بن سعد بن عبادة،وأن يكتبوا لنا عن أشهر أهل السخاء في بلادنا من الأقدمين والمعاصرين وهم كثُر وهذا غيض من فيض وليبدؤوها بالشيخ عبدالله جماع وعمارة دُنقس والمك نمروالعبيد وبدر والشيخ قريب الله وعلى دينار والأمير الشهيد تاج الدين وشيخ العرب أبو سن والنعيم ود حمد والشريف أحمد ود طه وأب جلابية والسيد عبدالرحمن والشريف الهندي وود شِقِدِّي والأمير نقد الله وود زاكي الدين والأمير وداللبيح وشيخ القرآن بيتاي وشيخ تِرك والشيخ المجذوب والمك جاويش والشيخ الدويحي وأبو حجل وود طلحة البطحاني وعلي التوم أمير الكبابيش وآخرين وقد فاضت بهم المدن والبوادي والأرياف قيل أن:
هنالك ثلاثة رجال يقال إنهم أكرم العرب في الاسلام ،حيث يروى أن ثلاثة اختلفوا في ثلاثة أيهم أكرم ، فقال أحدهم : أسخى الناس في عصرنا هذا عبدالله بن جعفر بن أبي طالب وقال آخر : أسخى الناس عَرَابةُ الأوسي وقال آخر : بل هو قيس بن سعد بن عبادة، وأكثروا الجدال في ذلك، وارتفع ضجيجهم وهم بفناء الكعبة، فقال لهم رجل كان حاضرا : قد أكثرتم الجدال في ذلك، فليمضي كل واحد منكم إلى صاحبه يسأله وكأنه ضيف حتى ننظر ما يعطيه، ونحكم.
1
فقام صاحب عبدالله بن جعفر إليه، فصادفه قد وضع رجله في غَرْزِ ناقته (ركاب رحلها) يريد “ضيعةً” له أي حديقة غناء وأراضي زراعية خصبة، فقال يا ابن عم رسول الله، قال : قل ما شئت، قال : أنا ابن سبيل ومُنْقَطَعٌ به , فأخرجَ رجله من غرز الناقة، وقال له : ضعْ رجلك واسْتَوِ على الراحلة، وخذْ ما في الحقيبة، واحتفظ بسيفك فإنه من سيوف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فجاء بالناقة والحقيبة فيها مطارف ( نوع من الثياب) خزّو أربعة آلاف دينار =، أعظمها وأجلها السيف.
2
ومضى صاحب قيسٍ فصادفه نائماً، فقالت له جاريته : هو نائم فما حاجتك إليه ؟ قال : انا ابن سبيل ومنقطع به، قالت: حاجتُك أهون من إيقاظه، هذا كيسٌ فيه سبعمئة دينار، والله يعلم أن ما في دار قيس غيره، خذهُ وامْضِ إلى معاطنِ إبل له، فخذ راحلة من رواحلها وما يصلحها، وعَبداً، وامضِ لشأنك، فقيل: إن قيساً لما انتبه من رقدته أخبرته بما صنعت، فأعتقها.
3
ومضى صاحب عرابة إليه، فألفاه قد خرج من منزله يريد الصلاة، وهو يمشي ويتوكأ على عبدين، وقد كُفَّ بصره، فقال: يا عرابة، أنا ابن سبيل ومنقطع به، فـخـلَّى العبدين ورفع يديه عنهما ، وصفّق بيمينه على يسراه، وقال : أوّاه أواه ما تركتْ الحقوق لعرابة مالاً، ولكن خذهما ـ يعني العبدين ـ
قال : ما كنتُ الذي أقصُّ جناحيك، قال : إن لم تأخذهما فهما حُرَّان، فإن شئت تأخذْ وإن شئت تعتقْ، وأقبل يلتمس الحائط بيده راجعاً إلى منزله.
4
فختلف الناس في الحكم أي الثلاثة أكرم؟
قال بعضهم أكرم الناس هو عبدالله بن جعفر بن ابي طالب فقد وهب أفضل ماعنده وكان السيف علي بن ابي طالب أنفس شيء.
وقال آخرون أن أكرمهم قيس بن سعد بن عبادة فمن كرمة وجوده جعل الجارية تتصرف وتنفق من ماله على المحتاج وعابر السبيل.
واجتمع رأي الأغلبية على أن عرابة الأوسي أكرم من هم لأنه بذل كل ما يملك وهو في أمس الحاجة إليهما فقد أعطاه العبدين اللذين كانا يقودانه وهو أشد ما يحتاج اليهم لأنه كفيف وقد نفذ ماله.
العاشقون رفاق
كان أستاذنا الشاعر العالم مصطفى طيب الأسماء يذكر هذه القصة و يعلق أنا مع نصيحة هذا الفارس إعشقوا ولكن إجعلوا العشق مطية للزواج ويحكيها ضاحكاً تقول الرواية: وكان شيخ بخراسان له أدب وحسن معرفة بالأمور قال لسليمان بن عمرو ومن معه: أنتم أدباء، وقد سمعتم الحكمة ولكم حداء ونغم، فهل فيكم عاشق؟ قال: لا، فقال: اعشقوا، فإن العشق يطلق اللسان، ويفتح جبلة البليد، والبخيل، ويبعث على التلطف وتحسين اللباس وتطييب المطعم، ويدعو إلى الحركة والذكاء، وتشريف الهمة.
وقال المجنون:
قالت جننت على ذكري فقلت لها
الحبّ أعظم ممّا بالمجانين
الحبّ ليس يفيق الدهر صاحبه
وإنّما يصرع المجنون في الحين
ومن أصدق الغناء السوداني الفصيح ما غناه الموسيقار التاج مصطفى (إبن السادة الطيبية)
لا تُخْفِ ما صَنَعَتْ بِكَ الأَشْواقُ
وَاشْرَحْ هَواكَ فَكُلُّنَا عُشَّاقُ
قَدْ كَانَ يُخْفي الحُبَّ لَوْلَا دَمْعُكَ
الجَارِي وَلَوْلا قَلْبُكَ الخَفَّاقُ
فَعَسى يُعينُكَ مَنْ شَكَوْتَ لَهُ الهَوى
في حَمْلِهِ فالعَاشِقُون رِفَاقُ
لا تَجْزَعَنَّ فَلَسْتَ أَوّلَ مُغْرَمٍ
فَتَكَتْ بِهِ الوَجْنَاتُ وَالأَحْدَاقُ
وَاصْبِرْ عَلى هَجْرِ الحَبِيبِ فَرُبَّما
عَادَ الوِصَالُ ولِلْهَوى أَخْلاقُ
دعوة للوسطية والإعتدال
ومن الأحاديث العجيبة والهادئة في الوسطية والإعتدال حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي (شطب) به كل مقولات الغلاة الذين أرادوا بمزاعمهم إلغاء الدنيا بالدين وهم لا يعلمون أن الدنيا الطاهرة المنتجة هي المعبر إلى الآخرة فطوبى للذين يصومون ويفطرون ويصلون ويهجعون ويتزوجون النساء لإنجاب العلماء والمجاهدين والشهداء الذين يكاثر بهم المصطفى بهم الأمم يوم القيامة لكنهم مثل أشجارالبركة المثمرة لا كغثاء السيل الذي يملأ ساحات المدن العربية الغنية الفقيرة والمدججة بالسلاح والمتدثرة بالهزائم يقول الحديث الشريف:
فيما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).