
الأستاذ محمد سعيد .. البلبل الغريد
الأستاذ محمد سعيد .. البلبل الغريد
بقلم: إبراهيم فتح الرحمن سمباي
في سيرة بعض الرجال ما يشبه المصابيح المعلّقة على دروب الحياة، لا تبهرك بضجيجها، لكنها تهديك الطريق حين يشتد الظلام، ومن أولئك الرجال أستاذنا الجليل محمد سعيد الفكي عثمان، ابن قرية أم الطيور غرب عطبرة، وأحد القامات التي صنعت للعلم هيبته، وللحكمة صوتها الهادئ النافذ.
كان معلّمًا استثنائيًا، تخرج في جامعة الخرطوم ودرّس في عدة مدارس، منها: عطبرة الحكومية، أبوحمد ومدرسة النيل، جمع بين تدريس التربية الإسلامية واللغة العربية واللغة الإنجليزية، كان يوقظ قلوب الطلاب، ويغرس فيهم معنى المسؤولية قبل المعرفة،
في ذات يوم ونحن في مدرسة عطبرة الحكومية القديمة، حضر إلى الفصل في الموعد، فلم يجد طالبًا واحدًا. أُغلق الباب، وبدأ يشرح للأدراج والمقاعد الخالية. والطلاب يتسلّلون بنظراتهم من خلف النوافذ، يتلقّون درسًا لن ينسوه: أن للعلم حرمة، وأن من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل، وأن الوقت أمانة لا تُهدر.
ومن فرط بصيرته ما صار حديث الناس: حين كان مع أخته وابنتها وقريبةٍ له على متن مركب يعبر بهم من شرق النيل إلى الضفة الغربية في طريقهم إلى أم الطيور. ما إن تحرّك المركب أمتارًا قليلة حتى أمر ريسه بالعودة، وأصرّ، وقد قرأ الخطر قبل أن يقع، وقال كلمته الواثقة: هذه المركب غير مؤهلة وستغرق. فلما لم يُستجب له، نزل وأنزل معه من معه، وخاضوا الماء عائدين إلى الشاطئ. ولم تمضِ عشرات الأمتار حتى غرقت المركب، حادثة ذاعت وشاعت، وبقيت شاهدًا على بصيرة وحكمة أستاذ محمد سعيد، وعلى شجاعةٍ اختارت السلامة بعيدًا عن المخاطرة.
كان يمشي بين الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، خاصة في سوق عطبرة، جلبابه ناصع البياض، وعمامته معقودة، وخطاه سريعة، وعصاه رفيقة يطرق بها القلوب قبل الأبواب. يوجّه كلمة، ويُصلح فكرة، ويذكّر بخلق، فيمضي وقد ترك أثرًا طيبًا نافعًا..
وكان فوق ذلك خطيبَ جمعةٍ في مسجد قرية أم الطيور الكبير، إذا صعد المنبر سكنت الأصوات، وإذا نطق أنصتت القلوب، لأنه كان يقول ما يفعل، ويفعل ما يقول.
قبل ست سنوات، في شارعٍ يفصل مبنى محكمة عطبرة عن المنازل الحكومية جنوبها، ظهرت روح المبادرة في أنقى صورها. بئرُ سايفونٍ هشّمته شاحنة، فانكشف خطره على المارة، خصوصًا ليلًا والشارع غير مضاء.
قابلته فسلمت عليه ولفت نظره إلى مكان البئر، فما كان منه إلا أن قرع باب المنزل المجاور بعصاه،
فخرجت لنا سيدة فحدثها عن الخطر، وطلب إبلاغ زوجها. وبعد يومين فقط، كانت للبئر قاعدة خرسانية جديدة.
عشرات القصص والحكاوي تروي عن حكمة وبصيرة أستاذنا محمد سعيد، هكذا كان: يرى الخطر، فيتحرّك، يعرف الواجب، فيؤديه دون انتظار.
وكان أستاذنا شاعرًا أديبًا وخطيبًا، له ديوان شعر بعنوان: (البلبل الغريد لمؤلفه محمد سعيد). صدح فيه بما يليق باسمه وسيرته.
رحل عن دنيانا في العام 2025م، غير أن أثره لم يرحل، وبقيت سيرته تتردّد على ألسنة من عرفوه ومن سمعوا عنه. رحمه الله رحمةً واسعة، وتولّاه بعفوه ومغفرته، وتقبّله في جنات النعيم.
وما أحوجنا اليوم إلى حكمة وبصيرة أستاذ محمد سعيد، ونحن نسمع كل حين عن غرق مركب تقل أهلنا على نهر النيل، وما حادثة مركب ديم القراي بالأمس عنا ببعيد.
رحم الله من علمنا أن الحكمة نجاة، وأن البصيرة أمان، وأن العلم رسالة تُؤدّى قبل أن تُدرَس.