
موسى هلال .. صمام الأمان القومي في وجه المليشيا ومشاريع التفكيك
موسى هلال .. صمام الأمان القومي في وجه المليشيا ومشاريع التفكيك
تقرير: مجدي العجب
في لحظة فارقة من تاريخ السودان، حيث تتنازع المشاريع المسلحة على هوية الدولة ووحدتها، يبرز اسم موسى هلال بوصفه أحد الفاعلين الذين اختاروا الاصطفاف مع فكرة الوطن لا مع اقتصاد الحرب. فالرجل الذي ينتمي لثقل اجتماعي وقبلي في دارفور، لم يطرح نفسه قائداً لتمرد جديد، بل صوتاً يحذر من انهيار المجتمع الأهلي إذا تُركت البلاد رهينة لمليشيات عابرة للحدود والمصالح. وفي وقتٍ تحاول فيه روايات الحرب تشويه كل من يرفض الالتحاق بمحرقة السلاح، يتمسك هلال بخطاب يضع وحدة السودان فوق التحالفات الظرفية، ويقدم نفسه طرفاً اجتماعياً يسعى لإيقاف نزيف التفتيت لا تعميقه. على الضفة الأخرى، تتحرك قوات مليشيا الدعم السريع كقوةٍ صنعت الحرب ثم حاولت تسويقها بوصفها ثورة، بينما تحولت في الواقع إلى مشروع تفكيكٍ ممنهج للبنية القبلية والإدارية للدولة. فالحرب التي اندلعت لم تكن صراعاً سياسياً طبيعياً بقدر ما كانت محاولة لفرض سلطة السلاح على مجتمع متعدد، مدعومةً سياسياً ومالياً من دوائر في الإمارات العربية المتحدة، وتحديداً من مراكز نفوذ في أبوظبي، حيث يجري التعامل مع السودان كساحة نفوذ لا كوطن ذي سيادة. وهنا تتقاطع الاتهامات التي يوجهها هلال مع مخاوف واسعة داخل المجتمع السوداني من أن استمرار المليشيا يعني استمرار مشروع التشظي، لا بناء دولة.
وبينما أعلن هلال انحيازه إلى القوات المسلحة السودانية باعتبارها المؤسسة الوطنية الجامعة، يرى أن الحرب لم تُشعل دفاعاً عن الديمقراطية أو الحقوق، بل لخلق واقع جديد تُحكم فيه البلاد عبر السلاح والولاءات الممولة. ومن هذا المنطلق، فإن خطابه لا يُقرأ كصراع شخصي مع عبد الرحيم دقلو بقدر ما يُفهم كمواجهة بين رؤيتين: دولةٍ تقوم على مؤسسات وهوية وطنية، ومليشيا تقوم على الغلبة والتمويل الخارجي. وفي ظل هذا المشهد، يتحول موقف هلال في نظر أنصاره إلى إعلان سياسي واجتماعي بأن معركة السودان الحقيقية لم تعد فقط بين بندقيتين، بل بين مشروع دولة ومشروع تفكيك.
صاحب الاغلبية ينتفض
واتهم زعيم قبيلة المحاميد ورئيس مجلس الصحوة الثوري، موسى هلال، قائد ثاني الدعم السريع عبد الرحيم دقلو بالسعي إلى تفكيك قبيلة المحاميد عبر “زرع الفتنة ودعم الانقسامات بالمال والسلاح”. وتأتي تصريحات هلال في ظل تصاعد التوتر بينه – بصفته أحد القيادات القبلية والعسكرية الموالية للجيش – وقوات الدعم السريع منذ الأول من يناير الماضي؛ عقب مقتل المستشار الأمني لقائد الدعم السريع، حامد علي أبو بكر، والقائد العام لقوات مجلس الصحوة الثوري (الجناح الموالي لمليشيا الدعم السريع)، إلى جانب عدد من مرافقيهم، في هجوم بطائرة مسيّرة استهدفهم في بادية “الفردوس” بولاية شرق دارفور. وعقب الحادثة، اتهمت قيادات بارزة في الدعم السريع هلال ونجله “فتحي” بالوقوف وراء عملية الاغتيال. وفي محاولة لاحتواء الاحتقان القبلي، شُكلت لجنة أهلية بولاية شمال دارفور ضمت نحو 40 شخصية من الرموز القبلية ورجال الدين، حيث خلصت إلى تبرئة موسى هلال ونجله من التورط في حادثة اغتيال المستشار أبو بكر.
وقال هلال لدى مخاطبته حشداً من أنصاره في بلدة “مستريحة” بولاية شمال دارفور: “إن عبد الرحيم دقلو يعمل على تحريض بعض أبناء المحاميد ضد أهلهم، ويسعى لزرع الفتن والتخريب لتفكيك كيان القبيلة”. وتابع: “إذا كان عبد الرحيم رجلاً له قيمة وقائد ثورة حقيقياً، فعليه ألا يحاربنا من وراء الكواليس، ويوظف أهلنا بالمال والسلاح ويحرضهم على مهاجمة مستريحة.. نحن كيان متماسك، والذين يحاولون تفكيكنا نقول لهم: لن تستطيعوا”. كما اتهم هلال “دقلو” بالوقوف وراء محاولات توجيه الاتهامات له ولأبنائه في أحداث مقتل مستشار قائد الدعم السريع، مؤكداً أن التحقيقات لم تثبت تورطهم في استخدام طائرات مسيّرة أو تنفيذ هجمات في مناطق مثل “الفردوس”. وأشار إلى أن بعض قيادات الدعم السريع وجهت له تهديدات مباشرة، وخيّرته بين الانضمام لمشروع القوات أو القتل، واصفاً ذلك بـ “الجهل السياسي”، كما وصف مشروع الدعم السريع بـ “الفاشي” الذي يقوم على القتل والنهب والاغتصاب.
وأعلن هلال عن طرح مبادرة لعقد مؤتمر لتوحيد “المحاميد” بعد شهر؛ بهدف رأب الصدع وتوحيد الصف سياسياً وعسكرياً، وبناء مؤسسة سياسية قوية ممثلة في “مجلس الصحوة”، مرحباً بعودة من وصفهم بـ “المغرر بهم” إلى جادة الرشد.
وتطرق هلال في حديثه إلى فترة احتجازه السابقة إبان عهد النظام السابق، موضحاً أنه أُفرج عنه بعد تعهد بالأمان، وأنه أدى قسماً برفقة “حميدتي” وشقيقه عبد الرحيم بعدم الاعتداء المتبادل.
وتعهد بعدم المبادرة بمهاجمة الدعم السريع رغم إعلانه الولاء للقوات المسلحة، إلا أنه أكد جاهزيته الكاملة للرد على أي اعتداء يستهدف معاقله في ولاية شمال دارفور.
توحيد الصفوف
وفي تقييمه للأوضاع الراهنة، وصف الأكاديمي والمحلل السياسي دكتور محي الدين محمد محي الدين موسى هلال بأنه “رجل قومي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، يقف بثبات مع الدولة ومع القوات المسلحة السودانية في مواجهة كل المشاريع التي تهدف إلى تفكيك السودان وتشويه وحدته الوطنية”. وأوضح محي الدين في حديث خص به ألوان :”موسى هلال لم يكن يوماً طرفاً في الصراعات العابرة للمجتمع، ولم يستخدم السلاح لفرض مشروع شخصي، بل اتخذ موقفاً واعياً يوازن بين دوره القيادي القبلي ومسؤوليته الوطنية، محافظاً على وحدة مجتمعه وفي الوقت نفسه مؤيداً للدولة ومؤسساتها”. وأضاف في حديثه لنا قائلا “المرحلة الراهنة في السودان تشهد محاولات متصاعدة لإشعال الصراعات القبلية وتوظيف الشباب في مشاريع تقود البلاد إلى الفوضى، وهنا يظهر الدور القومي لهلال بوضوح، فهو يرفض أن تتحول القوى القبلية إلى أدوات للصراعات المسلحة، ويعمل على تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، من خلال مبادراته السياسية والاجتماعية التي تركز على توحيد صفوف قبيلته وإعادة المنحرفين والمغرر بهم إلى جادة الرشد”.
وأكد أن “موسى هلال يمثل نموذجاً نادراً للقائد الذي يضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبار شخصي أو ضغوط خارجية، وهو يدرك أن الولاء للدولة لا يتناقض مع الحفاظ على الهوية القبلية، بل بالعكس، يعززها ويحميها من الانقسامات التي تحاول مليشيا الدعم السريع وبعض القوى الإقليمية في فرضها على السودان”. وختم د. محي الدين حديثه قائلا : “من خلال موقفه الثابت ومبادراته الرامية إلى رأب الصدع القبلي، يثبت موسى هلال أنه ليس مجرد زعيم قبلي، بل قائداً قومياً يحمل مشروع وحدة السودان ويدافع عن سيادته، ويقف كحائط صد أمام محاولات تفكيك الدولة، ويؤكد أن الحرب المفروضة على البلاد ليست حرباً وطنية، بل مشروع مليشياوي مدعوم من جهات خارجية تسعى إلى تدمير الدولة وإضعاف مؤسساتها”.
صمام أمان
فيما علق الصحافي والمحلل السياسي عاصم البلال الطيب على الأزمة الأخيرة قائلاً: “موسى هلال يمثل صوت العقل والاعتدال في أوقات الاضطراب، فهو زعيم قبلي يتمتع بوزن اجتماعي وسياسي يجعل منه عنصراً مؤثراً في تعزيز الاستقرار المحلي والوطني على حد سواء. في الوقت الذي تسعى فيه بعض المليشيات، وعلى رأسها مليشيا الدعم السريع، إلى إشعال الفتن بين المكونات القبلية وتفتيت مؤسسات الدولة، يثبت هلال أنه رجل دولة قبل أن يكون زعيماً قبلياً، ملتزماً بخطوط واضحة تحمي مجتمعه وتعزز وحدة السودان”.
وأضاف عاصم البلال في حديث لألوان: “هلال أظهر قدرة نادرة على الموازنة بين الولاء القبلي والولاء الوطني، فهو لا يتردد في رفض أي مشروع يستهدف تفكيك القبائل أو استخدام المجتمع كأداة للصراعات المسلحة، ويضع مصالح السودان فوق أي مصالح شخصية أو ضغوط خارجية. لذلك هذا الموقف يجعله رمزاً وطنياً يرفض أن تصبح دارفور، أو أي منطقة أخرى، ساحة للصراعات المفروضة من قوى إقليمية، بما فيها المشاريع المدعومة من أبوظبي”.
وزاد في حديثه قائلاً: “ما يميز موسى هلال أيضاً هو رؤيته الاستباقية لمعالجة الانقسامات الداخلية، من خلال مبادرات توحيد صفوف قبيلته، والحرص على إعادة المنحرفين والمغرر بهم إلى جادة الرشد، ما يعكس وعيه السياسي العميق وفهمه لمخاطر الحرب المفتعلة على السودان. إنه في هذا الإطار ليس طرفاً في النزاع، بل صمام أمان يحمي وحدة المجتمع ويقف مع الدولة والقوات المسلحة ضد أي مشاريع تفكيكية”.
هلال وقيادة الهوية الجامعة
وهنا يظهر جلياً أن موسى هلال ليس مجرد زعيم قبلي، بل رمز وطني يجسد قيم الولاء للدولة والالتزام بوحدة السودان. موقفه الثابت مع القوات المسلحة السودانية ورفضه لأي مشروع يهدف إلى تفكيك المجتمع أو توظيف القبائل كأدوات للصراعات المسلحة، يضعه في قلب المعادلة الوطنية كحائط صد أمام مشاريع الفوضى والتفتيت. وبينما تحاول مليشيا الدعم السريع، المدعومة من دوائر خارجية في أبوظبي، فرض أجندتها المليشاوية عبر المال والسلاح والفتن القبلية، يثبت هلال أن ولاءه للوطن فوق أي اعتبار، وأنه ملتزم بالسلم الأهلي والحفاظ على وحدة مجتمعه، دون أن يتخلى عن جاهزيته للرد على أي اعتداء يهدد مصالح أهله. وفي هذا السياق، تصبح مبادرة هلال لتوحيد صفوف قبيلته وبناء مؤسسة سياسية قوية بمثابة رسالة وطنية واضحة: أن السودان يمكن أن يبقى موحداً وأقوى إذا صمدت القيادات القومية والوطنية أمام مشاريع التفتيت والاحتلال المموّل، وأن الطريق نحو السلام والاستقرار يبدأ من رفض سياسات الحرب المفروضة والعمل على تعزيز الهوية الوطنية الجامعة.