التسابيح بُعيد التراويح

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

التسابيح بُعيد التراويح

 

عزيزي الرئيس ومن هنا نبدأ

وزيرٌ نافذٌ واستثنائيّ في إحدى التشكيلات الوزارية، وقريبٌ من دائرة اتخاذ القرار، كان مع زوجته المصون يتمنّيان أن تدرس ابنتهما الوحيدة الطب بجامعة الخرطوم. وللحق، فقد كانت نسبتها عاليةً جدًا، لكنها تقاصرت عن المعلن للدخول لكلية الطب بدرجة واحدة. اتصل بالإدارة، وقالوا له بحجة صارمة: هذا قانون لا اجتهاد فيه ولا استثناء. وعاد الرجل مقتنعًا وحزينًا، باحثًا عن فرصة أخرى.
لم أحكِ هذه الحكاية اعتباطًا، ولكن أردتُ عبرها أن أرسل برقيةً للسيد رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان، وللسيد رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، بأن السودان في هذه المرحلة يحتاج إلى قوانين صارمة وصمّاء، لا اجتهاد فيها ولا استثناء: قانون للأراضي السكنية، وقانون للأراضي الزراعية، وقانون للعطاءات الحكومية، وقانون للتعيينات والخدمة العامة، وقانون للالتحاق بالجيش والشرطة والأمن، وقانون للاستثمار، وقانون للضرائب والجمارك؛ حزمةٌ من القوانين المطبوعة التي يتداولها الناس كثقافةٍ عامة، لا تحتاج لواسطة، ولا تحتاج لرشاوى، ولا صداقات.
إنّ كل المحاولات، على مرّ تاريخنا الوطني، التي فتحت أبواب الاجتهادات والاستثناءات والخروج على القانون بأي حيل سياسية أو مناطقية أو مهنية أو نقابية، أوصلتنا إلى هذه الدرجة من الفساد المستشري الذي جعلنا في قوائم الدول الأكثر فسادًا؛ فتطاول علينا الجيران، واستعصى علينا الزمان والبيان، وسقطت عنا الهيبة والثقة، فأصبحنا كَالْمُنْبَتِّ: لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى.
هذه أول النصائح، وستكون هنالك سلسلة بعنوان: «من هنا نبدأ»، فهذا هو زمان الرجال الفاعلين لا القوّالين.

سناء حمد تدخل الموسوعة

وأخيراً دخلت السفيرة سناء حمد موسوعة الأقوال المأثورة مع الفاروق وعلي بن أبي طالب والشافعي والجاحظ والأصفهاني وإفلاطون وتولستوي وشكسبير وتشرشل والعقاد والعبيد ود بدر وفرح ود تكتوك حلال المشبوك قالت سناء: ( نعم نحن زرعنا حميدتي وزارع النخل للقوت ليس مسؤولاً عندما يتحول البلح إلى عرقي ).

شعار على أبواب القيادة العامة

عندما أحسست بأن بوادر الخِلاف وتمنُع الدعم السريع من الإنتماء للجيش السوداني قد بدأت وخرجت من دائرة الصمت إلى دائرة الصُراخ وأصبح حميدتي مشروعاً للإستثمار الأجنبي لشراء هذه الأرض الطيبة بالمجان، أرسلت برقية لأحد الأصدقاء بالجيش السوداني وقلت له : إني أهديكم هذه العبارات وعلى عهدتي أن أكتبها بالخط العريض لتٌعلق على واجهة القيادة العامة لم يرد علي ولم أفعل وتسارعت الأحداث وتفاعلت الأحزان حتى تفرقت والبلاد والأحبه أيدي سبأ تقول العبارة التي لم تجد حظها من جداريات القيادة العامة(من الحزم أن لا يحتقر الرجل عدوه وإن كان ذليلا، ولا يغفل عنه وإن كان حقيرا، فكم برغوث أسهر فيلا، ومنع الرقاد ملكا جليلًا)
قال الشاعر:

فلا تحقرنّ عدوا رماك
وإن كان في ساعديه قصر
فإنّ السيوف تحز الرقاب
وتعجز عمّا تنال الإبر

وقال إبن نباته:
لَا تَحْقَرَنَّ صَغِيْرًا فِيْ مُخَاصَمَةٍ
إِنَّ البَعُوْضَةَ تُدْمِيْ مُقْلَةَ الأَسَدِ

ولنا في حديث المصطفى إشراق وأشواق
من الأحاديث الجامعة للشرائع والفقه والأدب في الصوم ما لا تحتاج لإضافة حديث المصطفي عن فريضة الصوم وحقاً قد صدق المصطفى في أمر بيانه ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه ( فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ : أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائِمُ ، وجُعِلَتْ لِىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا ، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً ، وخُتِمَ بِىَ النبيُّونَ).
وفي حديث الصوم ما أورده البخاري ومسلم في صحيحهما
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عزوجل: كل عمل بن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه) رواه البخاري ومسلم

في باب ما قل ودل

هذه المقولة للمنصور تصلح برنامج عمل للإعلام وللسياسة ولقلة مفرداتها فهي تصلح أن تكتب بماء الذهب وماء العيون فقد نصح الخليفة المنصور العباسي إبنه قائلاً: با بُني خذ عني اثنتين: لا تقل في غير تفكير، ولا تعمل بغير تدبير.

أحلى الشعر أصدقه

كان أستاذنا الشاعر محمد عبدالقادر كرف عليه الرحمة وهو أحد تلاميذ شيخ الطيب السراج، كان الرجل موسوعة في علوم العربية أدباً ونحواً وبلاغة وصرفاً ورواية ،وكان لا يدخل علينا الفصل بكتاب ولا يعرف تقسيمات (الحصص) ، وحين يدخل علينا يسألنا ما الحصة اليوم؟ فنقول له: بلاغة فيكتب أبياتاً من الشعر وعبرها يُعلمنا البلاغة والنحو وتذوق الشعر ولا يخرج إلا بعد أن يحفظ الفصل الأبيات وكان عليه الرحمة في كل حصة يقرأعلينا نصاً لشاعرسوداني ويقول:
إن أهل السودان هم الأوائل في الشعر العربي ولكن قاتل الله المال والإعلام وكان يأمرنا بإخراج كراسة خُصصت لذلك وكان يُملينا فيها إحدي حكايات العرب وأيامهم ويطالبنا بأن ندون فيها ما استفدنا من الرواية ومن أشهرها حكاية عروة بن أذنية مع هشام بن عبدالملك عندما وفد عليه فقال له هشام: ألست القائل:
لَقَد عَلِمتُ وَما الإِسرافُ مِن خُلُقي
أَنَّ الَّذي هُوَ رِزقي سَوفَ يَأتيني
أَسعى لَهُ فَيُعَنّيني تَطَلُّبُهُ
وَلَو جَلَستُ أَتاني لا يُعَنّيني
قال: بلى، قال: فما أقدمك علينا؟ قال: سأنظر في ذلك ، وخرج فارتحل من ساعته ،وبلغ ذلك هشاما فأتبعه بجائزته، فلما أتاته بجائزة هشام بن عبدالملك وهو بالمدينة قال للرسول: قل لسيدك: لقد أتاني رزقي في مكاني ، وأردف :
لَقَد عَلِمتُ وَما الإِسرافُ مِن خُلُقي
أَنَّ الَّذي هُوَ رِزقي سَوفَ يَأتيني
أَسعى لَهُ فَيُعَنّيني تَطَلُّبُهُ
وَلَو جَلَستُ أَتاني لا يُعَنّيني

حاشية:

ولا أنسى حين رفع الأستاذ كرف صوته قائلاً: وما الذي أعجبك في القصة يا حسين؟ فقلت له: (أعجبني إلتزام الرجل بما يقول وقد طابق فعله قوله حين صدمه الخليفة بأبياته التي تُناقض مسعاه من المدينة حتى دمشق لنيل الجائزة فكان رده : صدقت ورجع قافلاً)
إبتسم أستاذنا ضاحكاً وقد أعجبته الإجابة فأهداني الكامل للمبرد مع إهداء أحتفظ به وأعتز وأسأل الله ليل نهارأن يكون أصابته السلامة من إعتداء الأوغاد للأغراض والأشياء والذكريات.

لابد من صنعاء وإن طال السفر

سألني بعض الإخوة من شباب الصحفيين المهتمين بالأدب عن شعراء اليمن فقلت لهم : بوضاح اليمن القتيل والزبيري الشهيد وعبدالله البردوني الكفيف صاحب الشعر المُبصر والقصيدة البصيرة .
ومن الذين أخطاهم النقاد وأحباب القريض الشاعر اليمني عبدالغفورعبدالله فله قصيدة مباركة أرجو أن يتبارى في تلحينها على أعتاب الشهر هذا المبارك عاصم البنا وفرفوروإنصاف فتحي وطه سليمان وحسين الصادق فلعلها تبارك في أيامهم وفي أصواتهم وفي رزقهم فقد ملؤوا الساحات بالتمتم وآن لهم أن يستكملوا موهبتم بمنظومة القيم والحب الكبير يقول عبدالغفورعبدالله إبن اليمن السعيد العنيد:

إذا ألقى الزمان عليك شرا
وصار العيش في دنياك مرا
فلا تجزع لحالك بل تذكر
كم أمضيت في الخيرات عمرا
وإن ضاقت عليك الأرض يوماً
وبت تئن من دنياك قهراً
فرب الكون ما أبكاك إلا
لتعلم أن بعد العسر يسرا
وإن جار الزمان عليك فاصبر
وسل مولاك توفيقا وأجرا
لعل الله أن يجزيك خيرا
ويملأ قلبك المكسور صبرا
وإن شن البغاة عليك حرباً
وأجروا من دم الأحرار نهرا
فلا تحزن فربك ذو انتقامٍ
سيصنع من دم الابطال نصرا
وإن فرض الطغاة عليك ذلاً
فلا تخضع وعش دنياك حرا
وقل يانفس لي ربُ كريمُ
سيسلخ من ظلام الليل فجرا
وإن جار الصديق عليك ظلماً
وقابل بالوفا بعدا وهجرا
فلا تحزن عليه وعش عزيزاً
فقد كنت الوفي كفاك فخرا
وإن صفت الحياة عليك فاحذر
فَرُبَّ بليةٍ تأتيك غدرا
فكم من مترفٍ بالمال فيها
فأصبح يرتدي ذلا وفقرا
وكم في الناس ذو ملك عظيمٍ
وقد ملك الدنا براً وبحرا
فبعد العز وافته المنايا
وأدخل في ظلام الليل قبرا
هي الدنيا فلا تركن إليها
ولا تجعل لها في القلب قدرا
ومد يديك للرحمن دوماً
فربك لن يرد يديك صفراً