مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان .. واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان

واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار

1

من النظريات الإقتصادية التي لا ينتبه لها الناس هي أن الرزق لا يأتي إلا بالجهد والبذل حتى ولو كان الفرد والمجتمع والأمة في أحرج اللحظات، عزيزي القارئ إن السيدة مريم العذراء حتى وهي في لحظات المخاض ذلك الضعف التي يعتري المرأة في تلك الأوقات كان حرياً أن تجد التمر في حِجرها تقديراً للموقف، إلا أن الحق عز وجل حتى في تلك اللحظات أراد أن يُعلم الإنسانية شرف البذل والجهد من أجل الرزق حيث يقول عز من قال:
﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾
ومن أميز الذين عبروا عن هذه الفكرة شعراً الشاعر السوري أبو الهدي الصيادي حيث قال:
توكل على الرحمن في الأمر كُلِه
تَوكُل ذِي عقل نحا منهج الأدب
فلا تقعدن حلس البطالة غافلاً
ولا ترغبن في العجز يوماً عن الطلب
ألم تر أن الله قال لمريم
كما القلم القدسي في لوحه كتب
مذ انفردت لله في ظل نخلة
وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هِزها
ومن غير أعمال الوسائل والتعب
لمال إليها الجذعُ حتى بحجرها
جنته ولكن كل شيء له سبب

2

وما دمنا في باب الرزق والإنتاج والكفاية والعدل فتأملوا مقولة سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والتي تُعد نظرية إقتصادية تستحق الإفاضة والتفسيرحيث يقول أبو تراب:
التواني مفتاح البؤس، وبالعجز والكسل تولدت الفاقة ونتجت الهلكة، ومن لم يطلب لم يجد وأفضى إلى الفساد.

3

الخليفة عبدالملك بن مروان قبل أن يكون رجل دولة فقد كان فقيهاً وعالِماً وصاحب تجربة مع الناس والحياة ومن لطائف ما قاله في اختبار العقول:
ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها، الكتاب يدل على عقل كاتبه، والرسول يدل على عقل مرسله، والهدية تدل على عقل مهديها.

4

صحيح أن العرب من الفصحاء والأدباء والشعراء كانوا أصحاب أخيلة وأفكار وتوليد للمعاني، ولكن مما اعترفوا به لاحقاً أن بلاغة القرآن ومجامع الكلم عند المصطفى صلى الله عليه وسلم، وصِدق المواقف وهبهم الكثير من الخواطر والمعارف الجديدة والتي زادت آدابهم قيماً وبهاء ورصانة، وقد اتخذوا من القرآن والسنة المحمدية الكثير من فن التضمين بلاغة وأفكاراً ومنها ما أخذه الشاعر الحسن بن هاني (أبو نواس) من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم إذا تقول الرواية:
سمع أبو نواس حديث سهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{الأرواحُ جنودٌ مجندةٌ فما تعارفَ منها ائتلفَ وما تناكرَ منها اختلفَ} فنظم ذلك في قصيدة له فقال:
يا قَلبُ وَيحَكَ جِدٌّ مِنكَ ذا الكَلَفُ
وَمَن كَلِفتُ بِهِ جافٍ كَما تَصِفُ
وَكانَ في الحَقِّ أَن يَهواكَ مُجتَهِداً
كَذاكَ خَبَّرَ مِنّا الغابِرُ السَلَفُ
إِنَّ القُلوبَ لَأَجنادٌ مُجَنَّدَةٌ
لِلَّهِ في الأَرضِ بِالأَهواءِ تَختَلِفُ
فَما تَعارَفَ مِنها فَهوَ مُؤتَلِفٌ
وَما تَناكَرَ مِنها فَهوَ مُختَلِفُ

5

ومما أخذه الجاحظ من كلام علي بن أبي طالب بيتاً ولكن الجاحظ على فصاحة ظلت كلماته أدنى من مقولة الشهيد علي بن أبي طالب وهذه شهادة منا فما قولكم دام فضلكم يقول علي كرم الله وجهه:
لا تكونن ممن لا تنفعه الموعظة إلا إذا بالغت في إيلامه، فإن العاقل يتعظ بالأدب، والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب.
ويأخذها عنه الجاحظ فيقول:
وليس يزجركم ما توعظون به
والبهم يزجرها الراعي فتنزجر

6

يبدو أن حلم أفلاطون بالحاكم الفيلسوف كان وسيصبح مستحيلاً إلا إذا قُمنا بتحويره وطالبنا الحُكام بأن يدرسوا المنطق والحكمة وعلم الكلام والفلسفة فإن أعيانا الزمان أن نُنجب حاكماً فيلسوفاً فلا ضيرأن حرضناه علي التفلسف يقول أفلاطون:
لن تكون هنالك نهاية لمشكلات الدول أو مشكلات الإنسانية نفسها حتى يصبح الفلاسفة ملوكاً في هذا العالم، او يصبح أولئك الذين ندعوهم الآن بالملوك والحكام فلاسفة.

7

أقوى الرويات عن هذه الأبيات الجزلة عن رمضان أنها للشاعر اليمني صالح الصملة، وكل ما أقبل رمضان كان أهل الشعر والذوق والحقائق والرقائق يعمرون بها أفواههم طرباً وينشدونها حبوراً بهذا المقدم الكبيرالجليل، وهذه دعوة لنقاد الأدب والباحثين أن يمنحوا القرطاس تعريفاً لهذا الشاعر المجهول ويميطون اللثام عن قصائده الأخرى ففي سبكه ملاحة وبساطة وعمق يقول عليه الرحمة والتبريكات حياً أو ميتاً:

خَيْرُ الشُّهُوْرِ ورُوضَةُ الأَخيارِ
يا مَرْحَباً بِهَديَّةِ الغَفَّارِ
رمضان أهلاً قَدْ تَطاولَ شَوقُنا
لِسناكَ يَكْسُو الأرضَ بالأنوارِ
رمضان عجل فالقلوب يشوقها
مسك الصيام وفرحة الإفطار
فيكَ الفضائلُ قد تعاظمَ سُوقُها
فِيكَ الجِنَانُ تُزَفُّ لِلأَبرارِ
فيك الملائك تحتفي في فرحة
فيك الخشوع ودمعة الأسحار
رمضانُ فِيَك الذِّكرياتُ نديةٌ
ذِكرى الجِهَادِ بِصُحْبَةِ المُختَارِ
في يومِ بدرٍ يومَ لاحَتْ رايةٌ
للنَّصرِ مَحْفُوفاً بِكُلِّ وَقَارِ
نَصرٌ بهِ جِبريلُ يَعقِدُ خَيْلَه
ويَسوقُ حِزبَ الكُفرِ بالبتَّار
رمضان جِئتَ وأُمَّتي مَكلومةٌ
والجرحُ ينزفُ بالدَّمِ المِدرَارِ
لكنَّما ذِكراكَ رُوحَ تَفَاؤلٍ
تَسريْ كَمثلِ الشَّمسِ في الأَقطارِ
روحٌ بِها تحيا النُّفوسُ عزيزةً
وتَسيرُ نحو النَّصرِ في إِصرارِ
رمضان حتماً سوف يَبزُغُ فَجْرُنا
ويزيل ليل الحزن والأكدار
وعد وحاشا الله يخلف وعده
ملك الملوك مقدر الأقدار