واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار .. استدعاء التراث إلى حديقة المعاصرة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار .. استدعاء التراث إلى حديقة المعاصرة

وعظ الخطاب بن المعلى المخزومي القرشي ابنه فقال:
يا بني: عليك بتقوى الله وطاعته، وتجنب محارمه باتباع سنته ومعالمه، حتى تصح عيوبك وتقر عينك فانها لا تخفي على الله خافيه.
واني قد وسمت لك وسما ،ووضعت لك رسما، ان انت حفظته ووعيته وعملت به ملأت أعين الملوك، وانقاد لك به الصعلوك ولم تزل مرتجى مشرفا يحتاج اليك ، ويرغب الى ما في يديك فأطع اباك ، واقتصر على وصية ابيك، وفرغ لذلك ذهنك واشغل به قلبك ولبك.
فإياك وهذر الكلام وكثرة الضحكك والمزاح ومهازلة الإخوان، فإن ذلك يذهب البهاء ويوقع الشحناء.
وعليك بالرزانة والتوقر من غير كبر يوصف منك ولا خيلاء تحكي عنك.
والق صديقك وعدوك بوجه الرضى وكف الأذى من غير ذلة لهم ولا هيبة منهم.
وقلل الكلام وأفش السلام وامش متمكنا قصدا ، ولا تخط برجلك ولا تسحب ذيلك ولا تلو عنقك ولا ردائك ولا تنظر في عطفك ولا تكثر الالتفاف، ولا تقف على الجماعات ولا تتخذ السوق مجلسا ولا الحوانيت متحدثا.
فإن تكلمت فاختصر، وإن مزحت فاقتصر، واذا جلست فتربع وتحفظ من تشبيك أصابعك وتفقيعها والعبث بلحيتك وخاتمك وذؤابة سيفك وتخليل أسنانك وإدخال يدك في أنفك وكثرة طرد الذباب عنك وكثرة التثاؤب والتمطى وأشباه ذلك مما يستخفه الناس منك ويغتمزون به فيك.
وليكن مجلسك هاديا وحديثك مقسوما وأصغ الى الكلام الحسن ممن حدثك بغير إظهار عجب منك ولا مسألة إعادة.
وغض عن الفكاهات من المضاحك والحكايات ولا تحدث عن إعجابك بولدك ولا جاريتك ولا عن فرسك ولا عن سفيك.
ولا تصنع تصنع المرأة ولا تبذل تبذل العبد ولا تهلب لحيتك ولا تبطنها وتوق كثرة الحف ونتف الشيب وكثرة الكحل والإسراف في الدهن وليكن كحلك غبا ولا تلح في الحاجات ولا تخشع في الطلبات .
ولا تعلم أهلك وولدك فضلا عن غيرهم عدد مالك فإنهم إن رأوه قليلا هنت عليهم وإن كان كثيرا لم تبلغ به رضاهم وأخفهم في غير عنف ولن لهم قي غير ضعف ، واذا خاصمت فتوقر وتحفظ من جهلك وتجنب عن عجلتك وتفكر في حجتك ولا تكثر الأشارة بيدك ولا تحفز على ركبتيك.
وإذا وعدت فحقق وإذا حدثت فاصدق ولا تجهر بمنطقك كمنازع الأصم ولا تخافت به كتخافت الأخرس.
وتخير محاسن القول بالحديث المقبول وإذا حدثت بسماع فانسبه الى أهله وإياك الأحاديث العابرة المشنعه التي تنكرها القلوب وتفق لها الجلود وإياك ومضعف الكلام مثل نعم نعم ولا لا وعجل عجل وما أشبه ذلك.
وأعلم ان الجشع يدعو الى الطمع والرغبة تدق الرقبة ورب أكله تمنع أكلات والتعفف مال جسيم وخلق كريم.
ومن تعدى القدر هوى في بعيد القعر والصدق زين والكذب شين ولصدق يسرع عطب صاحبه أحسن عاقبة من كذب يسلم عليه قائله .
ومعاداة الحليم خير من مصادقة الأحمق ولزوم الكريم على الهوان خير من صحبة اللئيم على الإحسان.
تشبه بأهل العقل تكن منهم وتصنع للشرف تدركه وأعلم أن كل امريء حيث وضع نفسه وإنما ينسب الصانع الى صناعته والمرء يعرف بقرينه وإياك وإخوان السوء فإنهم يخونون من رافقهم ويحزنون من صادقهم وقربهم أعدى من الجرب ورفضهم من استكمال الأدب .
وصاحب الرياء يرجع الى السخاء ولرياء بخير خير من معالنة بشر والعرق نزاع والعادة طبيعة لازمة إن خير فخير وإن شرا فشر وأعجل منفعه: إيسار في دعة وكثرة العلل من البخل وشر الرجال الكثير الاعتلال وحسن اللقاء يذهب بالشحناء ولين الكلام من أخلاق الكرام.
يا بني إن زوجة الرجل سكنة ولا عيش له مع خلافها فإذا هممت بنكاح امرأة فسل عن أهلها فإن العروق الطيبة تنبت الثمار الحلوة.
واعلم أن النساء أشد اختلافًا من أصابع الكف، فتوقَّ منهن كلَّ ذات بَذا، مجبولة على الأذى.
فمنهن: المعجبة بنفسها، المزرية ببعلها، إنْ أكرمها رأته لفضلها عليه.
لا تشكر على جميل، ولا ترضى منه بقليل، ولسانها عليه سيف صقيل.
قد كشفت القِحَة سِتر الحياء عن وجهها، فلا تستحي من إعوارها، ولا تستحي من جارها.
كلبة هرَّارة، مُهَارِشة عقَّارة؛ فوجه زوجها مكلوم، وعِرضه مشتوم، ولا ترعى عليه لدنيا ولا لدين، ولا تحفظه لصحبة ولا لكثرة بني ، حجابه مهتوك، وستره منشور، وخيره مدفون.
يصبح كئيبًا، ويمسي عاتبًا. شرابه مُرٌّ، وطعامه غيظ، وولده ضياع، وبيته مستهلك، وثوبه وَسِخ، ورأسه شعث إنْ ضحِك فواهن، وإن تكلم فمتكاره. نهاره ليل، وليله وَيْل. تلدغه مثل الحية العقارة، وتلسعه مثل العقرب الجرارة.
ومنهن: شَفْشَليق شَعْشَع سَلْفَع ، ذات سمّ منقَع ، وإبراق واختلاق. تَهُبُّ مع الرياح، وتطير مع كل ذي جَناح إن قال: “لا” قالت: “نعم”، وإن قال: “نعم” قالت: “لا”!
مولِّدة لمخازيه، محتقرة لما في يديه تضرب له الأمثال، وتُقَصِّر به دون الرجال، وتنقله من حال إلى حال؛ حتى قَلَى بيته ، ومَلَّ ولده، وغثَّ عيشه، وهانت عليه نفسه؛ وحتى أنكره إخوانه، ورحمه جيرانه.
ومنهن: الورهاء الحمقاء، ذات الدَّلِّ في غير موضعها، الماضغة للبانها، الآخذة في غير شأنها.
قد قنعت بحبه، ورضيت بكسبه. تأكل كالحمار الراتع. تنتشر الشمسُ ولَمَّا يُسْمَعْ لها صوت، ولم يُكنس لها بيت. طعامها بائت، وإناؤها وَضِر وعجينها حامض، وماؤها فاتر، ومتاعها مزروع، وماعونها ممنوع، وخادمها مضروب، وجارها مَحْروب.
ومنهن: العطوف الودود، المباركة الولود، المأمونة على غَيْبها، المحبوبة في جيرانها، المحمودة في سرها وإعلانها.
الكريمة التبعل، الكثيرة التفضل. الخافضة صوتًا، النظيفة بيتًا. خادمها مُسَمَّن، وابنها مُزَيَّن خيرها دائم، وزوجها ناعم. مَوْمُوقة مألوفة، وبالعفاف والخيرات موصوفة.
جعلك الله يا بني ممن يقتدي بالهدى ويأتم بالتقى ويجتنب السخط ويحب الرضى والله خليفتي عليك والمتولي لأمرك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد نبي الهدى وعلى آله وسلم تسليما كثيرا