
الأثر المقتفى في أحزان المصطفى
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
الأثر المقتفى في أحزان المصطفى
في اجتماع ضمني مع مجموعة من الفنيين بقناة أم درمان الفضائية، رد الله غربتها، ومهندس صاحب شركة إلكترونيات بالخرطوم، في مناقشة وتفاكر حول شراء استديو حديث ومتكامل للقناة لتسجيل بعض برامج المنوعات التي تحتاج لأجهزة متطورة وتقنيات حديثة، وأثناء النقاش أوقفنا المهندس متسائلاً عن أقرب مسجد ليصلي فيه صلاة الظهر، فقلت له: إنّا نصلي جماعة في الحديقة الصغيرة للقناة، فقال لي: أنا أعتدت أن أصلي في المسجد، فقلت له: المسجد بعيد من هنا، فرد مبتسمًا: ليس هنالك مشوار بعيد على الصلاة أو على السيارة، وخرج وعاد بعد قرابة الساعة لمواصلة الاجتماع.
وبعد أن أنهينا المناقشة حول الصفقة الصغيرة، قال لي: أنا أتابعك يا أستاذ، وألاحظ بأن لك اهتمامًا خاصًا بالحكايات العربية والسودانية والأجنبية التي تقرب الفكرة للقراء في ألوان وللمستمعين في المساء وللمشاهدين في قناة أم درمان الفضائية، وعندي لك حكاية حقيقية دارت أحداثها في بيت والدنا الطيني الصغير بإحدى أحياء أم درمان العريقة، واندفع الباشمهندس يحكي في حرارة حكايته الرامزة.
والدي عامل كادح في الأشغال الحرة، ودخله بالكاد يكفي أسرتنا التي تتكون من أربعة أبناء وثلاث أخوات قيد التعليم، كان أبي يحفظ أجزاء مقدرة من القرآن، وكان مادحًا مجيدًا يحفظ الكثير من المدائح النبوية بالعامية والفصيح، ويقرأ القرآن بصوت وريف، وكانت أختي الكبرى تعابثه في كثير من الأحيان عندما ينطلق صوته بالمديح قائلة: (يا بابا لو بقيت فنان كنا الآن ساكنين درجة أولى)، فكان يرد عليها بطريقته المتصوفة الزاهدة المؤدبة بالتعليق: المديح ده يا بتي ببني ليكم قصر في الجنة.
كان لوالدي مشاعر فياضة ودفاقة تجاه المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرته، وكان من عاداته، حتى وإن كان مريضًا، أن يصلي أوقاته الخمسة بالمسجد، وكنا نعلم أنه يتأخر قليلًا بعد صلاة العصر لأنه كان يحضر درسًا لأحد المشايخ الشباب، يومًا في التفسير، ويومًا في الفقه، ويومًا في السيرة، ويومًا في حفظ القرآن وتجويده.
دخل علينا يومًا بعد ذلك الدرس، وقد كنا قد أنهينا وجبة الغداء التي كانت والدتي عليها الرحمة تجيد إعدادها بتجويد ينافس وجبات الأثرياء الفاخرة، وكنا دائمًا بعد الغداء نصلي العصر ونحن كسالى، لأن بالنا ومشاعرنا كانت مع (الكشتينة) التي نجيد ممارستها مع إخوتي وأصدقاء الحارة، لا أنسى أن الوالد دخل علينا يومًا وهو يبكي بكاءً مرًا ويقول بلغة فيها الكثير من التفجع وعشق الدراويش: (يا أولاد الذين أنتم قاعدين هنا تاكلوا في الكَسْتر وتلعبوا في الكشتينة، والصعاليق يقذفون المصطفى بالحجارة في شوارع الطائف ويدمون قدميه الشريفتين، قسماً عظيمًا من الليلة دي أوكاتكم الخمسة في الجامع، ولا شوفوا ليكم بيت غير بيتي ده، أنتم قايلين الدين ده جاء بالساهل!)، وانخرط بعدها في موجة من البكاء، وهو يحكي بلغة سودانية آسرة وعامرة بالأشواق ما بين العامية والفصيح والمأثور في سرد عميق للسيرة.
قص علينا يوم الطائف ومعاناة المصطفى صلى الله عليه وسلم في الدعوة حتى يصلنا هذا الدين صافياً رقراقًا، ولأن الكلمة الطيبة تدخل إلى القلب مباشرة، ولأن الصدق يعبُر إلى المشاعر بلا استئذان، فقد تحول مجلسنا إلى ساعة بكاء ومناحة وعزاء، ذرفنا الدموع الغزّار بلا استثناء، ونحن نتملى بما حدث للمصطفى صلى الله عليه وسلم من اضطهاد وجراح.
نعم، لقد بكينا طويلاً على جراح سيد الخلق، ولكننا بكينا على أنفسنا التي لم تُقدّر جهد المصطفى حق قدره، فأهملنا ديننا ولم نكلف نفسنا حق الدفاع عنه، لا بالقول ولا بالفعل، ولا بالاقتداء، ولا بالعمل الصالح، ومنذ ذلك اليوم الرصين الحزين، أقسمنا أن نؤدي صلواتنا الخمسة رفقة والدنا في مسجد الحارة، فكنا فيه كالحمائم في الصف الأول، وتعاهدنا بنظافته، وتعهدته أخواتنا بالبخور والعطر والند اليماني الشهير.
وإني لأعترف لك يا أستاذ حسين، بأن هذا التعاقد بالصلاة في المسجد كان مفتاحًا مباركًا في مسيرتنا ونجاحاتنا، فقد أطلقت البركة فينا وفي أبناءنا وفي أعمالنا وفي بناية الدرجة الأولى التي انتقلنا إليها، وكان شرطنا عندما اشترينا القطعة أن تكون بجوار مسجد الحارة لنواصل ميثاق العروة الوثقى، تلك البناية التي حلمت بها شقيقتنا الكبرى عبر مهنة الغناء، وبعد أن انتقلنا إلى مسكننا الجديد، كان والدي حاضرًا، وهو يعابث أختي الكبرى التي خصصنا لها شقة مريحة هي وأبناءها في البناية، إن ما نلناه يا إبنتي بالصلاة والقرآن والمديح لم ينله المطربون بالسهرات والغناء والموسيقى.
عندما لاحت لي هذه الخاطرة ومعالم تلك الحكاية، قررت أن أستعيد بعض أحزان المصطفى في مسيرته المقدسة، وهو يدعو محتملاً البذاءات والرمضاء والجوع والدماء ومحاولات الاغتيال وعذاب الأصحاب وشهادة الأخيار والأطهار من أهل القربى والرسالة والالتزام والدعوة، إنها تجربته صلى الله عليه وسلم في إجلاء وإنجاب خير أمة أخرجت للناس تدعو للحق والخير وتنهى عن الشر والمنكرات، فقمت بتسمية السلسلة الأثر المقتفى في أحزان المصطفى.
صحيح أننا كثيرًا ما نتدبر ونتعبد بالقرآن والسنة والحديث، ولكن يظل الضلع الثالث المنسي هو التعبد والاقتداء بالسيرة الشريفة للمصطفى صلى الله عليه وسلم في كفاحه المرّ في سبيل هذه الدعوة الصادقة التي أضعناها في أنفسنا وفي شعوبنا وفي حكوماتنا، فصرنا كغثاء السيل، يجلدنا هذا الحديث ليل نهار، فعن أبي عبد السلام، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن». فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا، وكراهية الموت).
كان شيخنا وأستاذنا ومعلمنا الراحل الشيخ صادق عبد الله عبدالماجد، حين يُحدثنا عن كفاح المصطفى في سبيل الرسالة بصوته الخاشع الخفيض، فيقول: إن المؤمن الذي لا يعتبر ولا يبكي ولا تهتاج مشاعره حين يقرأ يوم الطائف، فعليه أن يراجع معتقده ودينه.
عزيزي القارئ، هذه بطاقة دعوة منا في هذا الشهر الكريم لحضور جلسة هذا البكاء النبيل والدمع الفياض في سبيل الله.
إن الكثير من المرويات قد اتفقت حول الحادثة والموقف، وكلها أخذت صحيحها من سيرة ابن إسحاق وابن هشام وابن كثير ومن الذين قاموا بتجليتها في معاصرة ثاقبة، الشيخ محمد الغزالي وآخرين.
قال ابن إسحاق: فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تناله منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى، فخرج إليهم وحده، فحدثني يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي:
قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا أرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا؛ لئن كنت رسولًا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم – فيما ذكر لي -: “إن فعلتم ما فعلتم، فاكتموا علي”. وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما ذكر لي، المرأة التي من بني جمح، فقال لها: “ماذا لقينا من أحمائك!” فلما اطمأن، قال – فيما ذكر لي -: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكت أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”. هكذا أورد ابن إسحاق في كتابه “السيرة” هذا الدعاء من غير إسناد، بل ذكره معلقًا بصيغة البلاغ، فقال: فيما ذكر لي.
وثبت في “الصحيحين” من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة حدثته أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: “لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، عليه السلام، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. ثم ناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا).
وهنالك مقاصد أخرى وأجواء في حكاية المصطفى مع أهل الطائف، ولعل ألطفها وأصدقها، رغم الجراح، مقابلته لعداس ابن نينوى بحديقة أبناء عتبة، وهي حكاية عجيبة في السيرة الشريفة لنا معها عودة.