
يوغندا وحرب السودان .. الوقوع في المحظور
يوغندا وحرب السودان .. الوقوع في المحظور
تقرير: الهضيبي يس
باستقبال يوغندا لقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو تكون الحرب في السودان قد دخلت مرحلة جديدة من مراحل الاقتتال الدائر منذ شهر أبريل من عام 2023. وذكرت وزارة الخارجية السودانية، في بيان لها يُعدّ بمثابة رد فعل على الخطوة، بقولها: تدين حكومة السودان بأقوى عبارات الإدانة استقبال الحكومة اليوغندية في كمبالا للمتمرد محمد حمدان دقلو، قائد المليشيا، كما تستنكر اللقاء الذي جمع بينه وبين الرئيس اليوغندي يويري موسيفيني، في خطوة غير مسبوقة تسيء للإنسانية ككل قبل أن تسيء للشعب السوداني، وتحتقر في ذات الوقت أرواح المواطنين الأبرياء الذين قُتلوا في هذه الحرب بسبب سلوك المتمرد حميدتي منذ بدايتها؛ كذلك تستهزئ الصورة الاحتفائية التي استُقبل بها بمشاعر الذين انتُهكت حرماتهم وسُرقت ممتلكاتهم بواسطة عصابة آل دقلو وزعيمها المتمرد. سيما وأن الفظائع التي ارتكبتها المليشيا قد وثّقها المجتمع الدولي وأدانتها المنظمات الإقليمية التي تنتمي يوغندا لعضويتها، مثل الاتحاد الأفريقي والإيقاد، وبالتالي فإن الخطوة التي أقدمت عليها يوغندا لا تحترم العقل الإنساني ولا تراعي حجم الأذى النفسي الذي تعرض له المواطن السوداني، كما أنها تضرب بعرض الحائط القوانين التي تحتكم إليها الدول الأعضاء في المنظمات الإقليمية والدولية بعدم تقديم أي دعم لقوات متمردة ضد نظام شرعي معترف به دولياً.
وتدرك حكومة السودان أن الحكومة اليوغندية لها الحق السيادي في استقبال من تشاء على أراضيها، كما لها الحق في تحديد علاقاتها الثنائية وفقاً لما تراه من مصالح.
ومن هذا المنطلق تعرب حكومة السودان عن بالغ انشغالها تجاه هذه الخطوة إن كانت تعبر عن سياسة جديدة للحكومة اليوغندية تجاه السودان، ووقوعها في المحظور برعايتها لمتمرد سفك دماء الشعب السوداني وانتهك حرماته ومارس كافة أنواع الجرائم من إبادة جماعية وقتل على أساس عرقي، وغيرها من الانتهاكات التي يندى لها الجبين، وترجو حكومة السودان، حرصاً منها على العلاقات الثنائية بين البلدين واتباعاً لسياسة حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، أن تنأى الحكومة اليوغندية بنفسها عن الارتباط بهذا المجرم، وألا يرتبط اسمها بسجل آل دقلو الإرهابي، وعدم السماح له باستغلال الأراضي اليوغندية أرضاً وجواً لممارسة مسلسل الإبادة الجماعية.
والخطوة حملت جدلاً سياسياً في الأوساط السودانية وذهبت إلى تأكيد أن مليشيا «الدعم السريع» تبحث عن مخرج لأزمة الحرب والصورة الذهنية التي تعيشها جراء الانتهاكات التي أقدمت على اقترافها بحق السودانيين، فإن اختيار العاصمة اليوغندية «كمبالا» لم يأتِ من فراغ، باعتبار أنها باتت إحدى الدول التي تمثل ثقلاً إقليمياً على مستوى منطقة شرق أفريقيا.
بينما الرئيس اليوغندي يوري موسيفيني، الذي يدخل مرحلة الحكم السادسة عقب الانتخابات الرئاسية التي جرت مطلع شهر يناير المنصرم، متجاوزاً عمر الثمانين عاماً، يحاول أيضاً التأكيد على لعب دور الوسيط الإقليمي بين الأطراف السودانية، كما فعلت جوبا من قبل بتوقيع اتفاقية السلام لعام 2020، وكينيا قبلها بإبرام اتفاقية نيفاشا لعام 2005.
ولكن الناظر لأبعاد ومآلات الحرب في السودان الآن يجدها تحمل العديد من التعقيدات ذات البعد الجيوسياسي والاقتصادي، والحديث عن مشاريع إقليمية ودولية تتخطى المحيط الداخلي، فضلاً عما تولد من صراع وخلافات اجتماعية يصعب حلها عبر اتفاق سياسي حتى لو توفرت ضمانات إقليمية ودولية.
بالمقابل، فإن «الجيش» الذي ظل يلتحم مع الشعب منذ الوهلة الأولى للحرب وتحمل فاتورة الانتهاكات على يد الدعم السريع، والتي كان آخرها ما قامت به تلك القوة المدججة بالسلاح بحق المدنيين العزل بمدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، ناهيك عن بقية البقع الجغرافية سواء بمدن الجنينة وسنار والخرطوم والجزيرة، لن يكون محط أي مساومة سياسية تكفل إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل لحظة اندلاع الحرب، مع التمسك الكامل للجيش بجملة اشتراطات أساسية، أبرزها تطبيق ما ورد في اتفاقية جدة للسلام لشهر مايو من العام 2023.
ومما سبق، على ما يبدو، أن الدعم السريع وحكومة «تأسيس» المدعاة بذلك باتت تدرك جيداً حجم العزلة الاجتماعية التي تتعرض لها، بالإضافة إلى التسبب في إثارة نزاع مسلح بحثاً عن استحقاقات على صعيد «السلطة»، سحبت من خلالها أهم مكتسباتها، وهي رغبة السودانيين في وجود أي أطراف وحلفاء يتقاسمون الولاء السياسي والمصالح الاقتصادية مع «الدعم السريع» وسط السودانيين مستقبلاً تحت طائلة السلام.
وهنا يؤكد الباحث في الشؤون السياسية علاء منصور أن زيارة حميدتي للعاصمة اليوغندية «كمبالا» ولقاء عدد من المسؤولين اليوغنديين تمثل محاولة لإعادة تطبيق سيناريو قديم متجدد مع تغير عوامل الزمان والمكان؛ فقد حدث ذات الشيء مع الراحل جون قرنق عندما لعبت يوغندا خلال مطلع تسعينيات القرن الماضي دوراً في مد يد العون له على حساب السودان، سعياً وراء تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
ويضيف منصور أن ما لا تدركه يوغندا هو أن حجم التعاطي مع حرب السودان نفسها ليس كما سابقاتها؛ فهي الآن ذات تأثير بالغ الأهمية على مستوى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. وفي ظل بحث يوغندا عن موطئ قدم وسط معادلة الحرب السودانية وما باتت تحمله من أبعاد، فإنها دولة تمثل أحد وكلاء منظومة تحالفات الدول الأوروبية في أفريقيا، وقطعاً فإن الإدراك التام بحجم التنافس تجاه أفريقيا يُعد أحد عوامل الخلاف بين تلك القوى الدولية.
وزاد: من المتوقع أن تدفع يوغندا بوضع مقترح لاتفاق سياسي يحمل سيناريو إبرام اتفاق يقوم على فكرة وقف الاقتتال بين السودانيين، على أن يؤسس كل من الجيش والدعم السريع نظام حكم بمعزل عن الآخر، سعياً وراء التأكيد على إيقاف الحرب، وثانياً الحفاظ على مكاسب كل طرف، ومن ثم تفادي عقبة العودة إلى ما قبل اندلاع الحرب بصورة دستورية وقانونية، وهو ما قد يولد إشكاليات وتحديات جديدة ستجعل «الجيش» يتمسك باشتراطاته السابقة بتنفيذ ما نصت عليه اتفاقية جدة للسلام.