
الأمين العام لهيئة علماء السودان البروفيسور علي عيسى عبد الرحمن: مشروع وطني لتوحيد القوى السياسية وبناء السلم المجتمعي
الأمين العام لهيئة علماء السودان البروفيسور علي عيسى عبد الرحمن ل (ألوان):
مشروع وطني لتوحيد القوى السياسية وبناء السلم المجتمعي
الذكاء الاصطناعي مكرمة ربانية لتجويد البحث العلمي
نحتاج لجهد مضاعف لمواجهة خطاب الكراهية
في زمنٍ تتعاظم فيه التحديات الفكرية والاجتماعية، يظلُّ صوتُ العلم أحد أهم روافع الاستقرار وبناء المستقبل. وفي لحظة تكريم مستحقة، نال البروفيسور علي عيسى عبدالرحمن وسام التميز من جامعة أم درمان الإسلامية تتويجًا لمسيرة علمية تجاوزت المائتي إصدار، أسهمت في إثراء الفكر الإسلامي والدراسات الاستراتيجية وقضايا المجتمع. في هذا الحوار، يقدّم رؤية عميقة لدور العلماء في قيادة الوعي، وتعزيز السلم المجتمعي، وتجديد الخطاب الديني، كما يتناول واقع البحث العلمي ومستقبله في ظل التحولات التقنية المتسارعة، مؤكدًا أن المعرفة تظل الركيزة الأهم لبناء السودان واستعادة تماسكه الاجتماعي.
حوار: د. نجلاء حسين المكابرابي
◾ ما الدور الذي تضطلع به هيئة علماء السودان في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ البلاد، خاصة في تعزيز الوعي الديني وترسيخ قيم الوسطية؟.
تلعب هيئة علماء السودان دورًا مفصليًا في حاضر ومستقبل السودان، وهي تخطط بأن يقود العلماء البلاد وليس سواهم، فالعلماء، وفقًا لتوصيف الهيئة لهم، فهم علماء العلوم الشرعية والإنسانية الاجتماعية والعلوم التطبيقية، فقد آن الأوان أن يتولى العلماء تقرير مصير السودان في النهضة والازدهار والتخطيط الواعي لاستدامة بناء السودان.
◾ كيف يمكن لهيئة علماء السودان أن تسهم في تحقيق السلم المجتمعي وجمع الكلمة في ظل التحديات التي يمر بها السودان؟.
في تحقيق السلم المجتمعي عبر مشروعها الموسوم بالمشروع الوطني لإصلاح وإعمار النسيج المجتمعي. لقد كانت هيئة علماء السودان سبّاقة، بحيث صممت المشروع وفق الأهداف التالية:
بعث روح التسامح المجتمعي. تقديم رؤية استراتيجية لإدارة التنوع الثقافي بالسودان. تشجيع المبادرات المجتمعية التي تعلي من قيم التسامح والتعايش السلمي. تشجيع التمسك بالمشتركات من قيم المجتمع السوداني. تنمية روح المواطنة بين أفراد المجتمع السوداني. تحقيق الحلم السوداني في النهضة والتطور.
◾ ما أبرز البرامج والمبادرات التي تعمل عليها هيئة علماء السودان حاليًا لخدمة المجتمع وتعزيز الخطاب الديني الرشيد؟.
ضمن استراتيجية الهيئة الآن المطروحة تجديد الخطاب، بحيث يسهم في حل قضايا الواقع الناجمة عن الحرب وآثارها الاجتماعية والاقتصادية، بل وحتى تصميم خطاب يسهم في التقليل من الاحتقان السياسي والمبادرة بمشروع يؤلف بين القوى السياسية المختلفة لمواجهة الراهن السياسي.
◾ ما التحديات التي تواجه هيئة علماء السودان اليوم، وكيف يمكن تطوير أدائها بما يواكب التحولات الاجتماعية والفكرية المعاصرة؟.
نعم، ثمة تحديات تواجه الهيئة وهي تقود جهود الإصلاح المجتمعي، فقد أصبح خطاب الكراهية هو السائد الآن بين المجتمع السوداني، مما يتطلب بذل جهد مضاعف لمواجهته.
◼ ماذا يعني لكم نيل وسام التميز بعد هذه المسيرة الطويلة؟.
استحقاق وسام التميز الفكري هو نتاج الغوص بعمق في قضايا الفكر الإسلامي عمومًا من ناحية، وتأصيل العلوم الاستراتيجية باعتبار أن الفكر الاستراتيجي الإسلامي كان السابق للفكر الإنساني المعاصر، وأنه يعبر عن الواقع الإنساني، وقد تناولت العلوم الاستراتيجية من تخطيط وتحليل وتفكير وإدارة، وكلها تم ربطها بالإسلام.
◼ أكثر من مائتي إصدار… كيف بدأت هذه الرحلة؟.
هي رحلة دونها جهد ومثابرة، وساعدتني الظروف تمامًا، سيما الفرصة التي منحتها لي القوات المسلحة بالتأهيل الخارجي لثلاث دول عربية (مصر والعراق وسوريا)، وكوني مديرًا لمعهد التوجيه المعنوي ورئيسًا لفرع الحرب النفسية ومؤسسًا لمركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية وتأسيسي لمعهد البحوث والدراسات الاستراتيجية بجامعة أم درمان الإسلامية، وغير ذلك من المحطات المفصلية، كل ذلك جعلني أتماهى تمامًا مع البحث العلمي وقضاياه.
◼ كيف تحافظون على هذا الزخم دون أن تتراجع الجودة؟.
المحافظة على التموضع في هذه القمة يحتاج إلى استدامة تمتين العلاقة مع البحث العلمي وأدواته واعتزال ما سوى ذلك، فقد كانت هيئة علماء السودان مثلًا خصمًا على مسيرة بحثي العلمي، فقد كان معدل إنتاجي العلمي حتى في سنتي الحرب بلغ خمسة عشر منتجًا، بينما عجزت تمامًا وأنا مكلف بأمانة الهيئة العامة أن أنجز كتابًا واحدًا، مما جعلني أفكر بجدية في مراجعة هذا الوضع الذي يبعدني عن ساحة البحث العلمي لأختار التخلي عن الهيئة لأخلص لشغفي وهو البحث العلمي.
فبالتالي تمثل مرحلة تكليفي بالأمانة العامة لهيئة علماء السودان هي أصعب مرحلة مررت بها في مسيرتي البحث العلمي.
◼ كيف تقيمون واقع البحث العلمي اليوم؟.
البحث العلمي اليوم يمر بأزهر عهده من حيث توفر المعلومة وسهولة الحصول عليها، وليس الأمر كما قال الإمام الشافعي: (لابد من صنعة وإن طال السفر)، والشافعي يبحث عن عالم ومسألة علمية، فالعم قوقل عالم فاضل يجعل حياتك زاخرة بالعلم والمعرفة، كما أن الذكاء الاصطناعي يعد لك كل ما تحتاجه في هذا الصدد في ثانية.
◼ كيف يمكن تحويل البحث العلمي إلى سياسات عملية؟.
أصلًا، بمزيد من ممارسة البحث العلمي سوف يبلغ الباحث مرحلة المهارة ويتصالح مع عمليات البحث العلمي، ولا شيء أمتع في الحياة من البحث العلمي، وقد قال المتنبي:
أعزُّ مكانٍ في الدنى سرجُ سابحٍ
وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابُ.
◼ كيف تنظرون إلى دور الذكاء الاصطناعي في مستقبل البحث؟.
يُعتبر الذكاء الاصطناعي مكرمة ربانية لتجويد البحث العلمي وصقل الباحثين، وأهم منتج لما بعد العولمة، ولا نقول الأداة النهائية التي يمكن الاستعانة بها للحصول على العلم والمعرفة، فما زلنا في عصر المعلوماتية ولم نتجاوز إلى عصر ما بعد المعلوماتية.
◼ ما النصيحة التي تقدمونها للباحثين الشباب؟.
آفاق البحث العلمي اكتسبت فضاءات أرحب واختزلت الأزمنة والسرعة والجهد، فكل المطلوب الإرادة والمثابرة لتحقيق التمكين في مجال العلوم الشرعية والمجتمعية والتطبيقية.
◼ بعد هذا التكريم… ما المشروع؟.
أفكر في التفرغ لترجمة أعمالي إلى اللغة الإنجليزية من ناحية، وترجمة الأعمال الفكرية من اللغة الإنجليزية إلى العربية. ومن المعروف أن الترجمة أمتع من التأليف، ومجال الإبداع فيها لا يقل عن التأليف.