الأثر المقتفى في أحزان المصطفى .. حين أزاحت (الدرفونة فاطمة) الأوضار عن ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

الأثر المقتفى في أحزان المصطفى .. حين أزاحت (الدرفونة فاطمة) الأوضار عن ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم

1

من روايات السيرة التي كانت تُبكى السودانيين ما شهده جامع أم درمان الكبير لشيخ وهو يحكي في حلقة مشهودة وقد أدارها بفطنة وخشوع يسرد فيها سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وكفاحه من أجل هذا الدين الذي أضعناه نحن بالتساهل والخَور وحب الدنيا والإنكسار أمام سلاطين الإستبداد الذين أضاعوا أموالنا وأعراضنا وعقيدتنا وارتضوا بأن يكون سادتهم الفِرنجة من وراء الحدود يرسلون إليهم فيسمعون ويأمرونهم فيطيعون وتطل مقولة الفاروق رضى الله عن شعاراً للإنتصار والأمة الشاهد القادمة تجلدهم ليل نهار( نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله) .

2
قيل أن مجموعة من كبار عصاة قريش جلسوا في مجلس أُنسٍ فاجر قُبالة الكعبة وهم يتمايلون استهزاء وسمراً فاحشاً، وكان الإسلام يوم ذاك وليداً يُحِيط به حِزمة كريمةٌ من الرجال والنساء إزداد عليهم التعذيب والإضطهاد والمقاطعة، ورغم كل تلك الجِراح ظلوا قابضين على الجمر، وإذا كان هنالك رمزٌ للتضحية يُشرِف نساء العالمين فهي سمية بنت الخياط التي أُلقيت في رمضاء مكة ومُنِعت الماء تحت الشمس المُحرِقة وتأبت عليهم في شَمم المسلم بكلمة الشرك حتى ماتت وهي موحدة وشفاهها اليابسة كانت رطبة بكلمة التوحيد بكى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يشاهدها وفي جوارها زوجها ياسر بن عمار وبلال بن رباح وابنها عمار بن ياسر ولا يملك لهم من الماء إلا دموعه الغاليات وكلماته التي كانت تواسي عذاباتهم وصبرهم الذي كسر أغوار المستحيل ( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).
آب الرسول صلى الله عليه وسلم مُلتجِأً إلى الكعبة يُصلي ويدعو الله مخلصاً له الدين لينصر هذه الثُلة المباركة فانسل صوت الفاجر أبي جهل قائلاً لمجموعته الشريرة بألأمس ذُبِح جذور عند بني فلان فمن يأتي بسلا الجذور وروثه ويلقيه على محمد فعندي له جائزة ومكرمة وتمايلوا ضاحكين فنهض أشأم القوم عُقبة بن أبي مُعيط قائلاً: أنا لها وذهب وقد حمل كل أوضار الناقة المذبوحة وألقى بها على الظهر الطاهر للمصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه حتى عجز أن يرفع من السجود . كانت السماء ترقب المشهد في جلال ولكنه كان زمان الإبتلاء والتذكير بأن هذا الدين غالٍ لن يبلغ المدى ويخترق قلوب الناس والأمم إلا بالتضحيات الكِبار.

3
ومن قلب هذا الموقف المحزن عبر سيدنا عبدالله بن مسعود عن حالة الضعف والإستهانة وقِلة العدد والنصير بقوله:(لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال لو كان لي قوة وشوكة ومنعة قبيلة تحارب عني وتدافع عني لفعلت هذا الفعل فقط أني آخذ هذا سلى الجزور من ظهره -عليه الصلاة والسلام- وبأبي هو وأمي وأطرحه من ظهره -عليه الصلاة والسلام)-
هذا عبد الله بن مسعود والذي قال عن كُتاب السيرة أنه كان قزماً وفي حكاية أنه على حدب المدينة سأله الرسول صلى الله عليه وسلم مِسواكاً فصعد إلي شجرة أراك فبانت ساقيه الدقيقتين فضحك بعض الصحابة من دِقة ساقيه فقال لهم المصطفى صلى الله عليه وسلم 🙁 مم تضحكون؟ والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحُد).
ومن كراماته رضى الله عنه فيما رواه سيدنا أبوبكر وعمر رضي الله عنهما أنه:(عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنَّ أبا بَكرٍ، وعُمرَ، بشَّراه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: مَن سرَّهُ أن يَقرأَ القرآنَ غضًّا كما أُنْزِلَ ، فليَقرأهُ علَى قراءةِ ابنِ أمِّ عبدٍ).

4

أما المشهد أو بيت القصيد الذي أبكى دراويش جامع أم درمان العتيق وصرخ الناس بالعويل ودفقوا الدموع فياضة حتى بللت الحصير حين واصل الشيخ الحكاية أن رجلاً من قريش كان يخفي إسلامة هرول إلى فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يومها صغيرة السن (جويرية) وبلغة أهل السودان ( دَرْفُوُنَه) وهي مفردة سودانية بالغة التحنان حين تصف الطفلة الصغيرة الضئيلة الجُرْم لكنها تعي.
هرولت الزهراء رضي الله عنها جزِعة صوب أبيها وأزاحت بيديها الصغيرتين من على ظهر أفضل البشر سلا الجذور والأوضار وأزالت عن رأسه بقيت الروث والدم المتخثر فاستطاع المصطفى عليه الصلاة والسلام أن يرفع رأسه من السجود ، وانبرت بعدها لهذه المجموعة الفاجرة وأغلظت عليهم القول تشتمهم وتسبهم وتتوعدهم ،ضمها المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى صدره حانياً ومُشفقاً( ذُريةٌ بَعْضُها من بعض) ثم رفع صوته داعياً عليهم بقوله صلى الله عليه وسلم : اللهم عليك بهذا الملأ من قريش( اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي مُعيط)
وقت حقت عليهم دعوة نبي الهدى عليه الصلاة والسلام الذي تَفلِقُ كلماته الشعرة، ففي معركة ففي يوم بدر قتلوا السبعة شر قتلة وأُلقي بهم في بئر القليب تضربهم الرياح السافية وتلعنهم الأرض والسماء وكأن فاطمة رضي الله عنها كانت تقول : (هذه بتلك).
5
وبعد أن أنهى عالِم جامع أم درمان الكبير سرديته المؤثرة المحزنة إنطلق نحوه أحد الدراويش وهو يرتجف، وما زلت أذكر مقولته التي ما بارحت قلبي طازجة كأنها قبل ساعة:( مالك علينا يا مولانا مِقَطِع قلوبنا في النهارات والزمن القاسي).
وإني لأوافق على المقولة المتداولة بأنه ليس هنالك شعب على وجه هذه البسيطة يحب المصطفى صلى الله عليه وسلم كما يحبه الشعب السوداني وعبر هذا الحب سوف تعود هذه الأرض الطيبة من جديد ساحة للقرآن والأذكار وخلاوي ومسيد الجماعة ومزاراً لضيوف الهُجُوُع وطلاب السلام والسلامة. إن أرضاً يُضَمِخُها كل هذا الحب للمصطفى صلى الله عليه وسلم لن تُهزم ولن تنكسر ولن تموت.