تَعَبٌ كُلُّهَا الْحَيَاة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

تَعَبٌ كُلُّهَا الْحَيَاة

1
إلى كل الإخوة الذين هاجروا بعد النكبة مهاجرين بأعراضهم إلى العواصم المجاورة أفريقياً وعربياً وآسيوياً وأوروبياً وأمريكياً وبعض أصقاع الشتات من أستراليا حتى غرينلاند، المقولة القادمة هي دعوة لنقل خبرات وأخلاق الآخرين الحسنة التي قطعاً سنحتاج لها بعد عودة البُشارة لأرض السودان الطيبة فهل العبارة مناسبة لنُطلقها دون حرج ( العرجا لي مراحها) فقد سئل يوماً أحد الكرماء ( وأهل السودان كِرام)
كيف اكتسبت مكارم الأخلاق، والتأدب مع الأضياف؟ فقال: كانت الأسفار أحوجتني إلى أن أفد على الناس، فما استحسنته من أخلاقهم اتبعته وما استقبحته اجتنبته.

2
كان الدكتور عبدالله حمدنا الله عليه الرحمة يقول لتلاميذه إن الذي لم يقرأ المقدمة لابن خلدون بشرحها وأسرارها فإنه لم يقرأ ولم يجد المِفتاح لمعرفة العُمران وعلوم الإجتماع.
سألني مرة وكان دائماً ما ينحو للإختبار ماهي العبارة التي توقفت عندها لإبن خلدون؟
فقلت له:
(إتباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء، بل أن الأحياء أموات) .
فقال لي مبتسماً: أكتبها لي، فقلت له ممازحاً: سأكتبها لك بشرط أن تحفظ لي حق الملكية الفكرية، فقال مُقاطعاً: لك أم لابن خلدون؟

3

في إحدي الجلسات قال: الدكتور الراحل العالم جعفر محمد علي بخيت (حبه) الذي كان النجم الأول لإتفاقية 1972 التي أوقفت الحرب بين الشمال والجنوب، أنه قبل السفر قابل البروفيسير عبدالله الطيب وقال له: بم تنصحني وأنا مسافر لمناقشة السلام وتوقيعه إن كُتب لنا الإتفاق؟ فرد عليه البروفيسير عبدالله الطيب ناصحاً بعبارة ناجزة وحاضرة:
(قال لقمان لابنه: يا بني كذب من قال الشر يطفىء الشر، فإن كان صادقا فليوقد نارين ثم ينظر هل تطفىء إحداهما الأخرى، وإنما يطفىء الشر الخير كما يطفىء الماء النار).

4

إنني أوافق على هذه العبارة القادمة بشرط تغيير لفظ (الغوغاء) إلى (ملح الأرض)
قال بعض السلف:لا تسبّوا الغوغاء، فإنهم يطفئون الحريق ويخرجون الغريق.

5
في إحدى الشطحات الفكرية اللطيفة للأخ الشاعر التيجاني سعيد أنه كتب بعض المقالات يُحرم فيها الغناء فرد عليه الموسيقار المثقف الراحل جمعة جابر بمقالة شهيرة كان عنوانها : (الرأي السديد في الرد على التيجاني سعيد) وأعقبه التيجاني بمقالٍ مستفيض جعل عنوانه (تجهيز المحابر في الرد على جمعة جابر) ومن عبارات جمعة جابر المأثورة: إن الغناء الجميل والعفيف يشكل لكثير من الجوعى مائدة وزاد ويبعث في الكسالى نشاطٌ وحيوية وأورد في ذلك القصة التالية:
حكى أبو العباس عن عمر الرازي قال: أقبلت من مكة أريد المدينة فجعلت أسير في جمد من الأرض، فسمعت غناء لم أسمع مثله، فقلت: والله لأتوصلن إليه، فإذا هو عبد أسود، فقلت له: أعد عليّ ما سمعت فقال: والله لو كان عند قرى أقريكه لفعلت، ولكني أجعله قراك، فإني والله ربما غنيت بهذا الصوت وأنا جائع فأشبع، وربما غنيته وأنا كسلان فأنشط، أو عطشان فأروى، ثم اندفع يغني ويقول:

وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى أزورها
أرى الأرض تُطوى لي ويدنو بعيدُها
من الخفرات البيض ودّ جليسُها
إذا ما قضَتْ أُحدوثة لو تعيدها
خليليّ إنِّي اليوم شاكٍ إليكما
وهل تنفع الشكوى إلى من يزيدُها
حَزازات شوق في الفؤاد وعَبرةً
أظلُّ بأطراف البنان أذودُها
وتحت مجال الدمع حرّ بلابل
من الشوق لا يُدعى لخطبٍ وليدُها
نظرتُ إليها نظرةً ما يسرُّني
بها حُمرُ أنعام البلاد وسودُها
إذا جئتُها وسطَ النساء منَحتُها
صدوداً كأنَّ النفس ليس تريدُها
ولي نظرةٌ بعدَ الصدود من الجوى
كنظرة ثكلى قد أُصيبَ وحيدُها
رفعتُ عن الدُّنيا المُنى غير وجهها
فلا أسألُ الدُّنيا ولا أسْتزيدُها

6

لم يستطع أحد في العرب أن ينادم جذيمة الأبرش بل جعلته العرب مضرب المثل في الكِبر والأنفة والرفعة، ولم يذكرعنه قط أنه نادم أحداً وجالسه على كثرة الندماء والظرفاء والمغنيين والشعراء، وكان يقول في ذلك: ( إنما ينادمني الفرقدان) والفرقدان نجمان ساطعان وسط خاملات النجوم.

7
وقد اعترف لي في لحظة صفاء الشاعر الكبير والسياسي والدبلوماسي المرموق صلاح أحمد إبراهيم بأنه عندما كتب مطولته (نحن والردى) كان في خاطره وعاطفته وعقله رائعة أبي العلاء المعري وقرأ لي منها أبيتاً بصوته الهامس الخفيض الملئ بالإيحات والشجن
غَيْرُ مُجْدٍ فِي مِلَّتِي وَاعْتِقَادِي
نَوْحُ بَاكٍ وَلَا تَرَنُّمُ شَادِ
وَشَبِيهٌ صَوْتُ النَّعِيِّ إِذَا قِيسَ
بِصَوْتِ الْبَشِيرِ فِي كُلِّ نَادِ
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الْحَمَامَةُ أَمْ غَنَّتْ
عَلَى فَرْعِ غُصْنِهَا الْمَيَّادِ
صَاحِ هَذِهْ قُبُورُنَا تَمْلَأُ الرُّحْبِ
فَأَيْنَ الْقُبُورُ مِنْ عَهْدِ عَادِ؟
خَفِّفِ الْوَطْءَ مَا أَظُنُّ أَدِيمَ الأرضِ
إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَجْسَادِ
وَقَبِيحٌ بِنَا وَإِنْ قَدُمَ الْعَهْدُ
هَوَانُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ
سِرْ إِنِ اسْطَعْتَ فِي الْهَوَاءِ رُوَيْدًا
لَا اخْتِيَالًا عَلَى رُفَاتِ الْعِبَادِ
رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْدًا مِرَارًا
ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الْأَضْدَادِ
وَدَفِينٍ عَلَى بَقَايَا دَفِينٍ
فِي طَوِيلِ الْأَزْمَانِ وَالْآبَادِ
فَاسْأَلِ الْفَرْقَدَيْنِ عَمَّنْ أَحَسَّا
مِنْ قَبِيلٍ وَآنَسَا مِنْ بِلَادِ
كَمْ أَقَامَا عَلَى زَوَالِ نَهَارٍ
وَأَنَارَا لِمُدْلِجٍ فِي سَوَادِ
تَعَبٌ كُلُّهَا الْحَيَاةُ فَمَا أَعْجَبُ
إِلَّا مِنْ رَاغِبٍ فِي ازْدِيَادِ