واحة للقائمين والصائمين وأصحاب الأعذار .. نقوش على وجه التراث

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

واحة للقائمين والصائمين وأصحاب الأعذار .. نقوش على وجه التراث

1

لو قيل لي نريد هدية للمخابرات العسكرية وللقيادة العامة ولألوية المرابطة بالولايات ولحراس الثغور وسفراء السودان بالخارج لأهديتهم مقولة الإمام الشهيد على بن أبي طالب:
(إذا كان الغدر طبعاً، فالثقة بكل أحد عجز).

2
وفي زمان قلّ فيه الخِل الوفي والصديق الصدوق وأصبحت علائق الأخوة متعلقة بالثروة والصيت والمنافع فقد إختل تعريف الصديق فأصبح في خيال الكثيرين بعض من الوهم والمستحيل، فأرجو من كل قلبي أن يستقيم الزمان ويعود الصديق الذي كنا نعرفه والعبارة التي يصف بها الناس في السودان الذي يثقون فيه بقولهم (فلان أخو أخوان) وصدق المثقف العبدي حين قال للتفريق ما بين الصديق الصادق والصديق المتلون بالكذب والنفاق
فَإِمّا أَن تَكونَ أَخي بِحَقٍّ
فَأَعرِفَ مِنكَ غَثّي مِن سَميني
وَإِلّا فَاِطَّرِحني وَاِتَّخِذني
عَدُوّاً أَتَّقيكَ وَتَتَّقيني
وهنالك قول لليائسين من وجود الصديق أصلاً فقد قيل لبعضهم: ما الصديق؟ قال: إسم وضع على غيرمسمى وحيوان غير موجود.
قال الشاعر:
سمعنا بالصديق ولا نراه
على التحقيق يوجد في الأنام
وأحسبه محالاً نمّقوه
على وجه المجازمن الكلام

3
قابلت مرة في ساحة العمل العام بالجامعة الداعية الراحلة رشيدة سليمان السباعي عليها الرحمة مع زوجها وصنو روحها الأستاذ مكي إسماعيل وقد رحلا معاً وتركا فراغاً لا يُملى في قلوب أصدقاءهم الكثر وإخوانهم في الله.
كانت رشيدة شمعة في سماء الدعوة إنطفأت سريعاً عليها الرحمة ،قلت لها مرة: ماهي علاقتك بالحديث النبوي ؟ فقالت ببشاشتها المعهودة: إني أحفظ كل الأحاديث التي روتها السيدة عائشة تلك المباركة والمُبَرَّأَة من فوق سبع سماوات عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكذلك أقوالها المأثورة، وقالت لي جادة في الأمرهذا قول يكتب بماء لذهب إما أن تحفظه أوتوثقه فكتبته واحتفظت به في أوراقي القديمة حيث إنتويت أن أسجل حلقات عن ذكرياتي في الإذاعة والتلفزيون ومع صاحبة الجلالة وهنالك حلقات تحت مسمى (في الجامعة كانت لنا أيام) قالت رشيدة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت مكارم الأخلاق عشرة :
1_صدق الحديث.
2_صدق اللسان.
3_أداء الأمانة.
4_صلة الرحم.
5_ المكافأة بالصنيع.
6_ بذل المعروف.
7_حفظ الذمام للجار.
8_حفظ الذمام للصاحب.
9_وقِرى الضيف.
10_ورأسهن الحياء.

4
كان قيس بن عاصم كريماً وجاداً ومجاهداً ولذلك صدقت مقولته في حق نفسه حين سئل كيف سُدت قومك؟ فقال : ببذل القِرى وترك المِرا ونصرة المولى.
أما أبو سفيان فحين ما سئل ذات السؤال كيف سدت قومك؟ قال: لم أخاصم أحداً إلا تركت للصلح موضعاً.
ومن هذا النبع الثر في معرفة الناس والحياة أخذ عنه إبنه معاوية، وكان أبو سفيان (عجيباً) وكان إبنه معاوية (خطيراً) .
ولولا أن معركة إيران على الأبواب لستفضنا في هذا الباب.

5
ومن أجمل وأبلغ العبارات التي قرأتها في استحصال العلم وجمعه سماعاً وقراءة وإنفاقاً ما قاله الجاحظ، وهي كلمات حُق لنا أن نوثقها وأن نحفظها وأن نجعلها في بروازٍ أنيق في مداخل كل الكليات الإنسانية والعلمية يقول صاحب البخلاء والبيان والتبيين والحيوان:
(فالإنسان لا يعلمُ حتى يكثر سماعه، ولا بد من أن تكون كتبه أكثر من سماعه، ولا يجمع العلم ولا يُختلف إليه: حتى يكون الإنفاق عليه من ماله ألذ عنده من الإنفاق من مال عدوه، ومن لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذّ عنده من إنفاق عُشاق القِيان، والمستهترين بالبنيان؛ لم يبلغ في العلم مبلغا رضيّا، وليس ينتفع بإنفاقه حتى يؤثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابي فرسه باللبن على عياله، وحتى يؤمل في العلم ما يؤمل الأعرابي في فرسه).
حاشية:
وكان صديقنا الشاعر الراحل سعد الدين إبراهيم يقول لي ضاحكاً ومعلقاً على عبارة الجاحظ :(تعرف يا حسين الجاحظ ده كان حِضر زمن الإنترنت واللابتوب كان فات الكبار والقدرو).
6
كان الأديب والناقد رجاء النقاش كلما حضرالمقهى وجد الأدباء والمثقفين جالسين يتحدثون فيتساءل (متى يكتبون والأهم متى يقرؤون! )
وبالمناسبة مما يحفظ السودانيون لرجاء النقاش أنه كان أول من كتب ونَبَهَ لموهبة الطيب صالح عليهما الرحمة.
7
كان أساتذة اللغة العربية عندما كان الأساتذ أساتذ يُملون علينا مثل هذه الأقاصيص في الأدب والتربية ويطلبون منا إختيار عنوان فينهض كل طالب في الفصل ويدلي بعنوانه وعندما قرأت هذه الحكاية بعد فترة طويلة تذكرت العنوان الذي إخترته (لا يعرف قدرالكِرام إلا الكِرام) تقول الحكاية:
‏حكى الأصمعي أنه قال:
كنت أزور رجلًا لكرمه، فأتيته بعد مدة فوجدته قد أغلق باب بيته فأخذت رقعة وكتبت فيها:
إذا كانَ الكريمُ له حجابٌ
فما فضلُ الكريمِ على اللئيمِ
وبعثت بها إليه ووقفت أنتظر الجواب فعادت وعلى ظهرها مكتوب:
إذا كان الكريمُ قليلَ مالٍ
تستّرَ بالحِجَابِ عن الغريمِ
ومع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار،فقلت والله لأتحفنّ أميرالمؤمنين المأمون بهذه الحكاية فذهبت إليه وقصصت عليه القصة، ووضعت الرقعة والصرة بين يديه ،فتأمل الصرة وقال:يا أصمعي هذه الصرة بختم بيت المال فأحضر الرجل الذي دفعها إليك.
فقلت: الله الله يا أمير المؤمنين، الرجل قد أولاني خيراً، قال: لابد منه، فقلت غير مروع؟ فقال : غير مروع ، فعرّفته مكانه فبعث إليه فحضر.
نظر إليه أمير المؤمنين ثم قال له: “ألست أنت الرجل الذي وقف بموكبنا بالأمس، وشكا إلينا رقة حاله وكثرة عياله.
قال: نعم يا أمير المؤمنين
قال: وأمرنا لك بخمسمائة دينار؟
قال: نعم، وهي هذه، يا أمير المؤمنين ،قال: ولمَ دفعتها للأصمعي على بيت واحد من الشعر
قال: استحييت من الله أن أردّ قاصدي، إلا كما ردّني بالأمس أميرالمؤمنين.
قال: لله درّك، ما أكرم خلقك وأوفر مروتك! ثم أمرله بعشرة آلاف دينار،وعندما خرج بها كان من أثرياء بغداد.
أما بيت القصيد والشئ بالشئ يذكر قول الإمام الشافعي رضي الله عنه:
الناسُ للناسِ مادامَ الوفاءُ بهم
والعسرُ واليسرُ أوقاتٌ وساعاتُ
وأكرمُ الناسِ ما بينَ الورى رجلٌ
تُقضى على يدهِ للناسِ حاجاتُ
لا تقطعنَّ يدَ المعروفِ عن أحدٍ
ما دمتَ تقدرُ والأيامُ تاراتُ
واذكر فضيلةَ صنعِ اللهِ إذ جُعلَتْ
إليكَ لا لكَ عندَ الناسِ حاجاتُ
قد ماتَ قومٌ وما ماتتْ فضائلهـمْ
وعاشَ قومٌ وهمْ في الناسِ أمواتُ