
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار .. ثلاثية السبت
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار .. ثلاثية السبت
1
كنا نقول في محاضرات علم الكلام والفلسفة والبلاغة في القول والكتابة أن الجاحظ لو لم يكتب إلا هذه الكلمات الناصعات في حق كلام النبي صلى الله عليه وسلم وخطابته وبيانه لكفته، وأرجو من واضعي المقررات في بلادنا إن أرادوا فصاحة للطلاب وتربية أن يجعلوا هذه الكلمات بشرحها في كتاب الأدب والنصوص.
قال الجاحظ في بيان المصطفى وكلامه صلى الله عليه وسلم:
عاب النبي صلى الله عليه وسلم التشديق، وجانَب أصحاب التقعير، واستعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حُف بالعصمة، وشُيد بالتأييد، ويُسر بالتوفيق، وألقى الله عليه من المحبة، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام والإيجاز.
ومع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلَّت به قدم، بل يبذ الخُطَب الطوال بالكلام القصير، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر.
وما سُمع كلام قط أعم نفعًا، ولا أصدق لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا من كلامه صلى الله عليه وسلم.
2
يقول النقاد من أهل الحاصفة والبيان والتبيين بأن الرجال وحدهم هم الذين يجيدون وصف النساء خاصة إذا كانوا من ثقات الكُتاب والشعراء إن وصف الرجال لا تجيده إلا النساء من صاحبات البلاغة والنظرة الثاقبة والتجويد والتجاريب ومن أنصع ما قيل في هذا الباب وصف أم معبد للرسول صلى الله عليه وسلم وقبل الوصف كانت هناك حكاية:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَدَلِيلُهُمَا اللَّيْثِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ مَرُّوا عَلَى خَيْمَتيْ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً بَرْزَةً جَلْدَةً تَحْتَبِي بِفِنَاءِ الْخَيْمَةِ، ثُمَّ تَسْقِي وَتُطْعِمُ، فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوا مِنْهَا، فَلَمْ يُصِيبُوا عِنْدَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ الْقَوْمُ مُرْمِلِينَ مُسْنِتِينَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَاةٍ فِي كَسْرِ الْخَيْمَةِ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟» قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ، قَالَ: «هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟» قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلُبَهَا؟» قَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا فَاحْلُبْهَا، فَدَعَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَسَحَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا، وَسَمَّى اللَّه تَعَالَى، وَدَعَا لَهَا فِي شَاتِهَا، فَتَفَاجَّتْ عَلَيْهِ وَدَرَّتْ، فَاجْتَرَّتْ فَدَعَا بِإِنَاءٍ يَرْبِضُ الرَّهْطَ فَحَلَبَ فِيهِ ثَجًّا حَتَّى عَلَاهُ الْبَهَاءُ، ثُمَّ سَقَاهَا حَتَّى رَوِيَتْ، وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوَوا، وَشَرِبَ آخِرَهمْ حَتَّى أَرَاضُوا، ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ الثَّانِيَةَ عَلَى هَدَّةٍ حَتَّى مَلَأَ الْإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا، ثُمَّ بَايَعَهَا وَارْتَحَلُوا عَنْهَا، فَقَلَّ مَا لَبِثَتْ حَتَّى جَاءَهَا زَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ لِيَسُوقَ أَعْنُزًا عِجَافًا يَتَسَاوَكْنَ هُزَالًا مُخُّهُنَّ قَلِيلٌ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَعْبَدٍ اللَّبَنَ أَعْجَبَهُ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا يَا أُمَّ مَعْبَدٍ وَالشَّاءُ عَازِبٌ حَائِلٌ، وَلَا حلوبَ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ إِلَّا أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صِفِيهِ لِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ،قَالَتْ:رَأَيْتُ رَجُلًا
1_ ظَاهِرَ الْوَضَاءَةِ
2_أَبْلَجَ الْوَجْهِ
3_حَسَنَ الْخَلْقِ
4_ لَمْ تَعِبْهُ ثَجْلَةٌ
5_وَلَمْ تُزْرِيهِ صَعْلَةٌ
6_وَسِيمٌ قَسِيمٌ،
7_فِي عَيْنَيْهِ دَعجٌ
8_وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ،
9_وَفِي صَوْتِهِ صَهَلٌ
10_وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ
11_وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ
12_أَزَجُّ أَقْرَنُ
13_إِنْ صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ
14_ وَإِنْ تَكَلَّمَ سَمَاهُ وَعَلَاهُ الْبَهَاءُ
15_أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ
16_وَأَحْسَنُهُ وَأَجْمَلُهُ مِنْ قَرِيبٍ
17_حُلْوُ الْمَنْطِقِ فَصْلًا
18_لَا نَزْرٌ وَلَا هَذْرٌ
19_كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ
20_ رَبْعَةٌ لَا تَشْنَأَهُ مِنْ طُولٍ
21_ وَلَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ
22_ غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ
23_ فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا
لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِنْ قَالَ: سَمِعُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ لَا عَابِسٌ وَلَا مُفَنَّدٌ
قَالَ أَبُو مَعْبَدٍ: هَذَا وَاللَّهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ لَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.
وَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكَّةَ عَالِيًا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ، وَلَا يَدْرُونَ مَنْ صَاحِبُهُ وَهُوَ يَقُولُ:
جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ
رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلَاهَا بِالْهُدَى وَاهْتَدَتْ بِهِ
فَقَدْ فَازَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ
فَيَا لَقُصَيٍّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ
بِهِ مِنْ فعَالٍ لَا تُجَازَى وَسُؤْدُدِ
لِيَهْنِ أَبَا بَكْرٍ سَعَادَةُ جَدِّهِ
بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدُ اللَّهُ يَسْعَدِ
لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَقَامُ فَتَاتِهِمْ
وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ
سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا
فَإِنَّكُمُ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ
دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ
عَلَيْهِ صَرِيحًا ضَرَّة الشَّاةِ مَزْبَدِ
فَغَادَرَهُ رَهْنًا لَدَيْهَا لِحَالِبٍ
يُرَدِّدُهَا فِي مَصْدَرٍ بَعْدَ مَوْرِدِ
حاشية:
ولم أسمع وأرى برجل كان يصحب سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في ليله ونهاره وفي حله وترحاله مثل المهندس الراحل العالم المفتوح عليه الصافي جعفرعليه الرحمة، وكان مولعاً بوصف أم معبد للرسول صلى الله عليه وسلم وكان يحفظه ويفيض في شرحه .
وقد أجريت معه حوارات تلفزيونية ما زالت مثار وإهتمام وإعجاب الناس فأرجو من مكتبة التلفزيون أن تكون قد احتفظت بها فالتلفزيون مولعٌ بتضييع الثمين وإهدارالتاريخ وقد كان يقول لي ممازحاً عليه الرحمة: (أنا يا حسين يوم الموقف العظيم قبل الجنة والنار حأقول ليهم وروني أم معبد وين واقفه عايزأسلم عليها وأقبِل رأسها وأقول ليها جزاك الله خير الجزاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وأحبابه خير الجزاء).
3
كيف كان حال الأئمة الأربعة في رمضان
_الإمام الشافعي
ذكر ابن رجب رحمه الله أن للشافعي ستين ختمة يختمها في غير الصلاة.
(بمعنى أنه يختم في الليل مرة وفي النهار مرة)
وعن أبي بكر بن أبي طاهر قال:
كان للشافعي في رمضان ستون ختمة لا يحسب منها ما يقرأ في الصلاة.
_الإمام أبو حنيفة
قال ابن رجب رحمه الله: وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك.
(أي ستين ختمة يختمها في غير الصلاة)
_الإمام مالك
كان مالك بن أنس إذا دخل رمضان يفر من الحديث ومجالسة أهل العلم ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
وكان الإمام مالك بن أنس لا يُفتِي ولا يدرس في رمضان ويقول: (هذا شهر القرآن)
_الإمام أحمد بن حنبل
كان الامام أحمد يُغلِق الكتب ويقول: (هذا شهر القرآن) .
حاشية:
وكان خالنا الحافظ الشريف محمد أحمد طه الحافظ والقارئ للقرآن أناء الليل وأطراف النهار والشهير (بالفكي) عندما يقرأ هذه الحكاية عن الأئمة وتلاوتهم التي تفوق ستين ختمة، يقول أما أنا فأقرأه ثلاث مرات مرة للصلاة ومرتين في التلاوة لكن بتدبر لكنهم الأربعة أفضل مني وأشرف وأعلم ،وكان يستدل بأثر سيدنا عثمان بأنه كان يختم القران ثلاث ولكن بمحبة وتدبر محبة أفضت به للشهادة حيث كان وجه ودمعه ودمه على المصحف حين دخل عليه البغاة.
وفي مقام إستشهاد ذي النورين سيدنا عثمان رضى الله عنه الرجل الذي تستحى منه الملائكة يقول شاعرالعربية والإسلام في حقه:
و كَاِبنِ عَفّانَ وَالقُرآنُ في يَدِهِ
يَحنو عَلَيهِ كَما تَحنو عَلى الفُطُمِ
وَيَجمَعُ الآيَ تَرتيباً وَيَنظُمُها
عِقداً بِجيدِ اللَيالي غَيرَ مُنفَصِمِ
جُرحانِ في كَبِدِ الإِسلامِ ما اِلتَأَما
جُرحُ الشَهيدِ وَجُرحٌ بِالكِتابِ دَمي