
حسين خوجلي يكتب: حكاية سودانية لأصحاب الفخامة للملوك والرؤساء والأمراء العرب
حسين خوجلي يكتب:
حكاية سودانية لأصحاب الفخامة للملوك والرؤساء والأمراء العرب
كل الثقاة والعارفين ببواطن الأمور في قضايا السياسة والتحرر الوطني والانعتاق عن قيد الاستعمار القديم والجديد، يعلمون علم اليقين بأن القواعد العسكرية التي شيدتها الدول الكبرى المتوحشة في العالم العربي والإسلامي والإفريقي ما هي إلا مستعمرة صغيرة وضعت لممارسة الابتزاز وقهر الشعوب والحكام وإدارة الأقطار بالوكالة.
وكل دولة وافقت على ذلك فعلته عن يدٍ وهي صاغرة، وكل شعب رضي بذلك كان مقهورًا ومهيض الجناح. وقد كانت أولى الفضائح المعاصرة جدًا أن إسرائيل ضربت قلب الدوحة في الوقت الذي كانت فيه قاعدة العديد ترقب همس المقاهي وحركة النمل في قطر، فلم تُخطر الضحية بالقادم ولا هي حمت سماء الدوحة التي قدمت وما زالت تقدم لها المن والسلوى.
هل تذكرون كيف ضرب الحوثيون أنابيب النفط السعودي وأوقفوا ثروة الدولة عن المورد الذي لا تملك غيره، والأمريكان بقواعدهم المتناثرة كانوا يتفرجون؟ وفي فضيحة جديدة، ها هي القواعد التي تمتص دماءنا وعرق شعوبنا وحضارتنا وعقيدتنا، ها هي بلا حياء تُخلي قواعدها وتسحب جيوشها وتقنيتها الحديثة، وتترك السعودية وقطر والبحرين والإمارات العربية والكويت والأردن تواجه مصيرها المحتوم وتلعق جراحها أمام ضربات الصواريخ الباليستية للطالبين، تترقب في دهشة حائرة صراخ المغادرين والهاربين.
وأجمل ما في المقالات أن لا نكملها رحمة بفطنة القارئ (فالسم في عالمنا العربي له افتضاح)، وفي خاطري حكاية آخرها نصيحة ذكّرتني بها مأساتنا هذه التي سارت بها القنوات والركبان.
قيل إن تاجرًا ثريًا يملك كل أدوات القوة المالية والسيطرة المادية، ولكنه كان بخيلًا حتى على نفسه، وكان جاره (صنايعي شاطر) له ورشة صغيرة لصيانة السيارات. كان بيته صغيرًا لكنه كان نظيفًا، ولأنه كان آخر مواطن في الطبقة الوسطى السودانية قبل انهيارها فقد ظل ينفق على بيته بمحبة وذوق وسخاء. كان صالون منزله أنيقًا وفاخرًا ونظيفًا وعاطرًا، وله حديقة صغيرة، وامرأة أنيقة كريمة تجيد صناعة الطعام وتقديم (باسطة الطيب سيد مكي) واحترام الضيوف، وكان أطفاله (غير) كما يقول الإخوة السعوديون.
أما جاره البخيل، فعلى الرغم من بيته ذي طوابقه الثلاثة ومظهره الباذخ، إلا أن مخبره لا يسر عدوًا ولا صديقًا؛ الصالون متسخ ومهلهل، الأثاث من القرن الماضي، ومائدته لا تصلح للوجبة ولا حتى للاستعمال الآدمي. وكانت زوجته في المناسبات تلتجئ لزوجة الصنايعي الأنيقة (بت القبائل)، فتستعير منها الثياب والحلي والمصوغات وحتى الأحذية، أما العطور فقد كانت تغتسل بها بلا حياء ولا استئذان.
استمرت هذه العلاقة لسنوات؛ البخل يأخذ والصنايعي الكريم يمنح. وفي إحدى الليالي أعد الصنايعي ود البلد مائدة ودعوة لأصدقائه القدامى من أولاد الحلة والمدارس ليستأنسوا ويستعيدوا ذكريات الصبا لما فيها من أنس (وشقاوة)، وكان مجلسهم لا يحتمل إلا هذه المجموعة التي تتحدث في غير حذر ويلاطف بعضهم بعضًا في غير تجريح، وبطلاقة عُرفت بها مجالس الأصدقاء السودانيين.
وفي قلب هذا الأنس الفياض بالأقاصيص والذكريات، وحين كانت ضحكاتهم تشق الفضاء، دخل البخيل ثقيل الدم هادم اللذات بلا استئذان، فكسر روعة المشهد (كما يقول ود الأمين في قصيدة صديقه الراحل فضل الله محمد: أشوفك بكرة في الموعد)، واضطرت المجموعة لتغيير مسلكها وحديثها، وانكفأت وهي تدير الذكريات بطريقة وبكلام (خارم بارم) كما يقول أولاد أم درمان (الحفلة فيها بوليس). تناولوا طعام العشاء وخفوا سراعًا مهرولين، فكأنما كانوا يبتلعون الحجارة، فقد كان حضور الرجل وحديثه لا يُحتمل. ولأول مرة أحس الصنايعي النبيل أن موقع هذه (القاعدة) في جواره واحدة من أكبر أخطاء عمره، وقرر في هذه اللحظة وفي هذا (المنعطف التاريخي الخطير) كما يقول أهل السياسة والصحافة أن يضع حدًا لهذا العبء وهذه المأساة التي احتملها بجسارة لا تحتملها الجبال ولسنوات متطاولة.
كان المسكين حينها يبحث عن فرصة مواتية وتلقائية أو حتى مختلقة. ومما زاد الطين بلة، وظن أن درس الغبي قد انتهى، إذا به يفاجئه بطلب غريب آخر الليل: إن هذا العشاء الدسم يا صديقي يحتاج لأكواب مضمخة (بالمستكة) وشاي (دم الدكاترة)، خليط بين القرفة والنعناع.
هنا بلغت الروح الحلقوم والتفت الساق بالساق (وربك رب الخير)، فقد أطل أمامهم كلب المنزل الألوف فكأنما جاء على قدر. هنا قال الصنايعي وهو يحدق صوب الكلب الحيوان وصوب الكلب الإنسان: إنها أول مرة في حياتي أرى فيها كلبًا أبيض اللون. فقال الجار الثقيل مقاطعًا: بل هو أحمر، هل أصبت بالعشى الليلي وأنت لم تبلغ الستين؟ هنا أطلق صاحبنا رصاصة الرحمة، فقد بلغ السيل الزبى، بقولة شقت عنان السماء وزلزلت مر الاحتمال الطويل: (كلب أبيض أو كلب أحمر، كلب أحمر أو كلب أبيض، أيها المعتوه لقد اختلفنا من الليلة دي، وكل زول فينا يتعشى في بيتو).
عزيزي القارئ، إني أرى أن تضموا صوتكم لصوتي وتدعوا كل الملوك والرؤساء والأمراء والحكام العرب وسفراء القواعد العسكرية الاستعمارية وقادة القواعد ووزراء خارجيتهم ودفاعهم في اجتماع مشهود أمام الكاميرات، وكل الخواجات الذين (عردوا) في زمن الكريهة، وجعلت أمريكا وبريطانيا وفرنسا إمكاناتها المفتوحة أمانًا وحماية للكيان الصهيوني رغم ما بذلناه لهم من تريليونات وسمعة وخضوع وخشوع. يا حماتنا الكذبة، هذا أمر الجماهير، وهذا إذن بالانصراف في 72 ساعة فقط، وأن يقول كل رئيس وملك وأمير بكل الجرأة التي عُرف بها كرام العرب والمسلمين: (كلب أبيض أو كلب أحمر، كلب أحمر أو كلب أبيض، من الليلة دي كل زول يتعشى في بيتو).
*حسين خوجلي*