
حسن بشير يكتب: هل الحرب العالمية تطرق الأبواب؟
ضربة جزاء
حسن بشير
هل الحرب العالمية تطرق الأبواب؟
في كل مرحلة مضطربة من تاريخ العالم يعود السؤال ذاته ليطل برأسه من جديد: هل نحن على أعتاب حرب عالمية جديدة؟ سؤال لم يعد حبيس مراكز الدراسات الاستراتيجية أو أروقة السياسة الدولية، بل أصبح حديث الشارع العادي، مع تصاعد الأزمات العسكرية، واحتدام الصراعات الاقتصادية، وتزايد لغة التهديد بين القوى الكبرى. فالعالم اليوم يعيش حالة توتر غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، ما يجعل المخاوف من مواجهة عالمية شاملة أكثر حضورًا من أي وقت مضى.
المشهد الدولي الراهن يكشف عن خريطة مليئة بالنقاط الساخنة. حروب إقليمية مستمرة، نزاعات حدودية قابلة للاشتعال، سباق تسلح متسارع، وتحالفات عسكرية يعاد تشكيلها بصورة تذكّر العالم بأجواء ما قبل الحروب الكبرى في القرن العشرين. لم تعد الصراعات مجرد خلافات سياسية، بل تحولت إلى مواجهات متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا وحتى الفضاء الإلكتروني.
أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية هو تصاعد التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ العالمي. فالصراع لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح اقتصاديًا وتقنيًا أيضًا. العقوبات الاقتصادية، والحروب التجارية، ومحاولات السيطرة على سلاسل الإمداد العالمية، كلها أدوات جديدة في صراع النفوذ. هذه المواجهات غير المباشرة قد تبدو أقل خطورة من الحروب التقليدية، لكنها في الواقع تمهد أحيانًا لصدامات أكبر عندما تفشل أدوات الضغط الأخرى.
كما أن التطور التكنولوجي أضاف بعدًا جديدًا لفكرة الحرب العالمية. فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الجيوش والأسلحة التقليدية، بل دخلت مرحلة “الحروب الذكية” التي تستخدم الذكاء الاصطناعي والهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة. هذه الأدوات تجعل الصراع أسرع وأكثر تعقيدًا، وقد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب نتيجة خطأ تقني أو تقدير سياسي خاطئ.
العامل الاقتصادي أيضًا يلعب دورًا محوريًا في زيادة التوتر العالمي. الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، واتساع الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، كلها عوامل تولد ضغوطًا داخلية تدفع بعض الحكومات إلى تبني سياسات أكثر تشددًا خارجيًا لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية. التاريخ يثبت أن الأزمات الاقتصادية كثيرًا ما كانت مقدمة لصراعات كبرى.
لكن، وعلى الرغم من كل هذه المؤشرات المقلقة، فإن الحديث عن حرب عالمية شاملة لا يزال محل جدل بين الخبراء. فالعالم اليوم يختلف كثيرًا عن عالم القرن الماضي. وجود أسلحة الردع النووي خلق توازن خوف متبادل يجعل الدول الكبرى تدرك أن أي مواجهة مباشرة قد تعني خسارة الجميع بلا استثناء. لذلك تميل القوى الكبرى إلى إدارة صراعاتها عبر حروب بالوكالة أو ضغوط سياسية واقتصادية بدلاً من المواجهة المباشرة.
إلى جانب ذلك، فإن الترابط الاقتصادي العالمي أصبح عامل كبح مهم. فاقتصادات الدول الكبرى متشابكة بصورة تجعل الحرب الشاملة مكلفة إلى حد يصعب تحمله. الشركات العابرة للقارات، والأسواق المالية العالمية، وسلاسل الإنتاج المشتركة، كلها تجعل أي حرب واسعة بمثابة انهيار اقتصادي عالمي، وهو سيناريو تسعى معظم الدول إلى تجنبه.
الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بدورها تلعب دورًا مزدوجًا؛ فهي من جهة تنقل صور الصراعات لحظة بلحظة، ما يضاعف شعور الناس بأن العالم على حافة الانفجار، لكنها من جهة أخرى تسهم في الضغط الشعبي على الحكومات لتجنب الحروب، إذ أصبح الرأي العام أكثر تأثيرًا في القرارات السياسية مقارنة بالماضي.
السؤال الحقيقي ربما لا يكون: هل ستندلع حرب عالمية قريبًا؟ بل: هل يستطيع العالم إدارة صراعاته دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة؟ فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى غالبًا لم تبدأ بقرار واضح، بل بسلسلة من الأزمات الصغيرة وسوء التقدير المتبادل.
اليوم يقف العالم عند مفترق طرق؛ فإما أن تنتصر لغة الحوار والدبلوماسية والتعاون الدولي، أو تستمر دوامة التصعيد التي قد تقود إلى مواجهة لا يريدها أحد، لكنها قد تقع نتيجة تراكم الأخطاء. وبين القلق والأمل، يبقى المستقبل مرهونًا بقدرة القادة على التعلم من دروس التاريخ، وبوعي الشعوب التي تدرك أن السلام لم يعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة لبقاء الإنسانية نفسها.
وهكذا، قد لا تكون الحرب العالمية قد طرقت الأبواب بعد، لكنها بلا شك تقف في الممر، تراقب عالمًا متوترًا، ينتظر قرار العقل قبل أن تفرض عليه لحظة الجنون.