
مخطوطة عربية قديمة تؤكد وجود ملك نوبي شبه أسطوري
كتب: محرر ألوان

أكدت وثيقة عربية جرى تحليلها حديثًا، وعُثر عليها في كومة نفايات تعود إلى القرن السابع عشر في مدينة دنقلا القديمة بشمال السودان، الوجود التاريخي للملك قاشقاش، الذي ظل لفترة طويلة يُعد شخصية شبه أسطورية في تاريخ النوبة.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Azania: Archaeological Research in Africa، حيث قدّم الباحثون أول دليل وثائقي قاطع على حكم قاشقاش خلال فترة الفونج، وهي مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ المنطقة، ما يسلّط الضوء على التحولات السياسية والثقافية التي شهدتها النوبة في أواخر العصور الوسطى.
وكانت دنقلا القديمة عاصمة لمملكة المقرة المسيحية، لكنها دخلت منذ منتصف القرن الرابع عشر فيما يُعرف بـ”العصور المظلمة” في التاريخ السوداني، حيث تراجعت مكانتها السياسية وقلّت المصادر التاريخية عنها. وقد ظلّت هوية الحكام الذين تولّوا السلطة خلال تلك المرحلة محل جدل بين الباحثين، خاصة في ظل التحولات التدريجية نحو التعريب والأسلمة.
وجاء الاكتشاف في إطار أعمال مشروع “التحوّل الحضري لعاصمة إفريقية في العصور الوسطى”، حيث أجرى علماء الآثار حفريات في مبنى يُعرف باسم (A.1)، تشير الروايات المحلية إلى أنه كان مقر إقامة ملوك دنقلا. وأسفرت الحفريات عن العثور على أكثر من عشرين نصًا عربيًا، من بينها أمرٌ ملكي صادر باسم الملك قاشقاش.
ويتضمن النص تعليمات تتعلق بتبادل سلع مثل الماشية والأقمشة، ويحمل اسم الملك إلى جانب اسم كاتبه. ويرى الباحثون أن هذه الوثيقة لا تؤكد فقط الوجود التاريخي لقاشقاش، بل تُعرّفه أيضًا بوصفه أقدم حاكم معروف لمدينة دنقلا في مرحلة ما بعد العصور الوسطى.
كما أظهر التحليل اللغوي أن الكاتب لم يكن متمكنًا بالكامل من العربية الفصحى، إذ استخدم تراكيب أقرب إلى اللغة المحكية، ما يعكس مرحلة انتقالية كانت فيها العربية تترسخ كلغة الإدارة والكتابة في البلاط الملكي، دون أن تكون بعد اللغة الأم لسكان المدينة.
ويعكس مضمون الرسالة كذلك نظامًا من تبادل الهدايا يتماشى مع الأعراف السياسية في فترة الفونج، حيث لعبت الهبات والعطايا دورًا مهمًا في إدارة العلاقات الاجتماعية والسياسية.
ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف، رغم بساطة مظهره، يُعدّ حلقة وصل مهمة بين الأدلة الأثرية والمصادر المكتوبة، ويسهم في سد فجوة تاريخية طويلة في فهم تطوّر دنقلا والنوبة خلال القرون الانتقالية.