
عائشة الفلاتية .. أم كلثوم السودان
عائشة الفلانية .. أم كلثوم السودان
بقلم: أمير أحمد حمد
امتلكت صوتًا ساحرًا سحرت به نفسها أولًا ثم جميع من استمع إليه، تغنّت به فأبدعت وامتلكت الوجدان، فلا غرابة في ذلك، بيد أنها من منابع شرق السودان مدينة كسلا التي رفدت البلاد والوجدان بالعديد من الأصوات، إنها أم كلثوم السودان عائشة موسى أحمد الشهيرة بـ عائشة الفلاتية، صاحبة أجمل الأصوات النسائية على الإطلاق.
عشقت الفن منذ نعومة أظافرها، كما نقل عنها معاوية حسن يس في كتابه من تاريخ الغناء والموسيقى في السودان الجزء الثالث: (كنت أمشي الحفلات مع بنات وهن فتيات وكن يجلسن في سباته فتتم دعوة البنات للرقص مفردات ومثنى، كنت أجلس وسطهن وأنسجم مع سرور وأتمنى أن أصبح مثله، شاءت الظروف أن أتعرف على حسن وجمال صوتي فكنت أجمع بنات وأمثل أمامهن دور سرور، وكنت أحضر لحظات السيرة فأستمع إلى كبار النساء وهن يؤدين ألحان السيرة، وكانت السيرة تتم على ظهر الخيل وكن يغنين عريسنا ورد البحر وقطع جرايد النخل، كنت أحفظ هذه الأغاني لأرددها على مسامع بنات الحي).
هكذا تحدثت عن تعلقها بالغناء منذ الصغر متأثرة برائد ومفجر حقيبة الفن الحاج محمد أحمد سرور، وقد وصلت إلى مكانته في الشهرة التي نالها.
اتسمت أغنياتها بالبساطة من غير تعقيد، كذلك موسيقاها سلسة تنساب عبر الأذن في رقة متناهية.
وقد سجلت في عام ١٩٣٦ خمس أسطوانات، وقد سافرت إلى مصر وهي صغيرة السن، وقد خصها بالعناية السيد ميشيان صاحب الشركة التي سجلت هذه الأسطوانات الخمس، ويُعتبر الأستاذ الموسيقار إسماعيل من أوائل الملحنين الذين تعاونوا معها في مسيرتها الغنائية، إلى جانب أختها جداوية التي تعلمت عزف العود، فقد كانت تصاحبها في حفلاتها في بيوت الأفراح والإذاعة حتى تم تعيينها بفرقة الإذاعة في فترة ما بين ١٩٥٣ إلى ١٩٦٠.
عائشة الفلاتية لم تتلق تعليمًا فلا تجيد القراءة ولا الكتابة، كانت تعتمد على فطنتها وذكائها في حفظ أغنياتها، وقد كان يساعدها أيضًا الفنان حسن ضرار سكرتير نقابة الفنانين في فترة رئاسة الفنان إبراهيم الكاشف لها.
وقد كان للفنانة عائشة دور وطني كبير، فقد غنّت للترفيه عن الجنود السودانيين في جبهات القتال إبان الحرب العالمية الثانية، وقد اشتهرت بالأغنية الشهيرة (يجو عايدين).
يجو عايدين إن شاء الله عايدين يا الله
قلبي انفطر… دمعي انهمر
الليلة السفر أبقى قمرة جوه القطر
ودعت الحبيب… للسكة الحديد
الفرقك صعيب ما حضرت ليالي العيد
الشمال والشرق… الجنوب والغرب
ما تسيبوا الحرب والسلام يعم الدرب
يجو عايدين ضباطنا المهندسين
يجو عايدين الفتحوا كرن باينين
تلك التي ظلت خالدة في مسيرة عائشة الفلاتية.
وفي عام ١٩٦٠ بدأت تعاني من داء مرض السكري فبدأت تقلل من حفلاتها العامة واكتفت بالتسجيلات الإذاعية فقط، وفي عام ١٩٦٩ بُترت يدها اليسرى وظلت تعاني إلى أن توفاها الله في فبراير ١٩٧٤، لها الرحمة والمغفرة.
وقد تعاونت عبر مسيرتها مع عدد من الشعراء على رأسهم الشاعر علي محمود التنقاري التي شكلت معه ثنائية كبيرة، فغنت له أنا بحبك يا مهذب، والحبايب، وأغنية حبيب الروح، ومن دار الإذاعة ورمز الجمال ولقاء وذكرى وفلسطين.
كما غنت للشاعر الإذاعي السر محمد عوض الأغنيات الآتية: عيد الثورة، وفيك يا بلادي، ولحظة وداع، وثورة مايو.
كما غنت للشاعر بشير محسن أغنية الملاك السامي وآمال وأغنية حبيب وجداني.
كما غنت للشاعر محمد خلف الله أغنية يا نسائم وصباحك نور، كما غنت للشاعر أحمد محمد أنس أغنية الممنوع وصالو، كما غنت لكثير من الشعراء منهم جعفر فضل المولى ومحمد علي أبو قطاطي ومحمود طرنجة وعبد الرحمن الريح وبكري محمود.
لها الرحمة والمغفرة.