أجمل وأغرب أهداف الكرة العطبراوية

أجمل وأغرب أهداف الكرة العطبراوية

بقلم: إبراهيم فتح الرحمن سمباي

ونحن على مشارف مئوية أستاد عطبرة 1927 – 2027م نحكي عن بعض من قصص ولطائف الكرة في عطبرة، وكما نما إلى علمنا من الرمز الإعلامي الأستاذ كمال حامد، أن أستاد عطبرة هو أول أستاد تم تشييده في أفريقيا والوطن العربي، وبعد البحث والتقصي في مواقع البحث وجدت أن نادي الأهلي المصري تم تأسيسه في 1907م، وشُيِّد ملعبه 1917م، ولكن لم يكن بمستوى أستاد رسمي مفتوح للجماهير، وبذلك نسلم بصحة ما أشار إليه الأستاذ كمال حامد.
حين كنّا صبيةً صغاراً، نجلس في حلقات المؤانسة البريئة، كان لا بد أن يظهر بيننا أولئك الذين يُطلق عليهم، ببراءةٍ ساخرة، الهجّاصين أو الهرّاطين. كانوا سادة الحكاية، وأمراء الخيال، ينسجون لنا قصصاً عجيبة، يروونها بثقة من عاشها، وبنبرة من أقسم على صدقها، وعقولنا الصغيرة، التي لم تكتمل بعد أدوات الفرز بين الحقيقة والخيال، كانت تستقبل تلك الروايات بكل تصديق واندهاش.
أحدهم حدّثنا يوماً أن اللاعب البرازيلي بيليه سدد كرة إلى أعلى، فلم تعد إلى الأرض إلا بعد نهاية المباراة، والمطر يهطل احتفالاً بعودتها، وآخر حكى عن دردوق لاعب الشبيبة، فقال إنه سدد كرة نحو المرمى فقامت النار فوق النجيلة، ولم يكن ذلك في نظرنا مستحيلاً تماماً، فقد درسنا في سنة
أولى ابتدائي قصة اكتشاف
النار، حيث تتولد من احتكاك الأخشاب، فلِمَ لا تُولد من احتكاك قدم أسطورية بالنجيلة؟. لكن الغريب وغير المبلوع، أن الهجّاص لم يكتفِ بذلك، بل استرسل قائلاً: دردوق شات كورة خلّى الخواجة يتكلم عربي!! وهنا توقفت عقولنا قليلاً: أيّ خواجة هذا الذي يحضر الدوري العطبراوي؟! وأخيراً تخيلنا أحد الخواجات يجلس في مصطبة الشبيبة يدخن غليوناً ويضع كاباً على رأسه.
صبي آخر حكى لنا قصة لاعب الهلال صديق منزول وكيف أنه راهن حارس المرمى الحبشي على سيارة، سدد الحارس الحبشي الكرة وكانت كرة شراب على صديق منزول فصدها، وعندما سدد صديق منزول الكرة نحو الحارس الحبشي اخترقت حاجز بطنه وسكنت داخلها!! ..
حسب التصنيفات العالمية، ما زال هدف مارادونا الأسطوري في شباك إنجلترا، في كأس العالم 1986م، يتصدّر قائمة أجمل الأهداف. لكن في مدينتنا عطبرة، كانت لنا أهدافنا الأسطورية التي لم تُوثَّق بعدسات العالم، كنا نسمع عن أهداف: شاتوت لاعب الكوكب، ولبودي لاعب الأمل، ودردوق لاعب الشبيبة، وعوض الحاج لاعب الهدف وغيرهم كثيرون… أسماء ما زالت في ذاكرة المجتمع الكروي العطبراوي، وقد تكون هناك أهداف أعجب، لم ترصدها كاميرات، ولم تدخل سجلات، لكنها عاشت في الوجدان. أذكر أننا كنا نتابع تمارين فريق التحدي أو الترسانة للناشئين، في الميدان جنوب مقابر شيخ أحمد وشرق نادي النسر. وكان هناك لاعب اسمه بدري زكي القاضي، اشتهر بقوة تسديداته إلى درجة أنه قد يمزّق الكرة من شدة الضربة. وكان الوحيد الذي يرفض ارتداء الحذاء الرياضي، ولعل هذا ما حال دون تسجيله لفرق الدرجة الأولى.
وذات يوم، أثناء التمرين، ذهب بدري لينفذ ضربة زاوية من الركن الجنوبي الغربي للميدان، خلف ذلك الركن، وعلى بُعد أمتار، كان يقبع ما يُسمّى ببرميل النفايات: حوض مشيّد من الطوب الأحمر والأسمنت، أقامه مجلس بلدية عطبرة عند نواصي الأحياء لتجميع نفايات المنازل.
ما شاء الله، صعد بدري بخفة الفهد فوق ذلك البرميل، ووضع الكرة على حافته، ثم تراجع خطوات إلى الوراء. اندفع بقوة، وضرب الكرة بقدمه الحافية تسديدةً مدوية. لا أدري ماذا نسمّي مثل هذا الهدف: أهو أجمل الأهداف أم أغربها؟ فليس غريباً أن يُحرز لاعب هدفاً من ضربة ركنية، لكن الغريب حقاً أن بدري، حين سدد الكرة، اقتلع معها طوبةً من برميل النفايات، ومع ذلك لم تنحرف الكرة عن مسارها، بل مضت ثابتة نحو الشباك هدفاً محققاً، وبعدها اندفع الدم بغزارة من قدمه وتم إسعافه إلى مستشفى عطبرة.
قابلته بعد سنوات طويلة، وسألته عن ذلك الهدف العجيب. ابتسم، وكشف لي عن باطن قدمه اليمنى، حيث ما زالت آثار جرح غائر بسبع غرزٍ واضحة، شاهدةً على تلك اللحظة التي اختلط فيها الألم بأمجاده الكروية.
رحم الله بدري زكي القاضي، كان حسن الخلق، محبوباً من كل من عرفه، نسأل الله أن يتقبله في جنات النعيم، وأن تبقى مثل هذه الحكايات نابضةً في ذاكرة عطبرة، تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل.