
المدير العام لمستشفى التجاني الماحي د. مي محمد يوسف: المليشيا دمرت المستشفى والخسائر بملايين الدولارات
المدير العام لمستشفى التجاني الماحي د. مي محمد يوسف لـ(ألوان):
المليشيا دمرت المستشفى والخسائر بملايين الدولارات
عدد المرضى زاد بشكل يومي إلى نحو 70 مريضاً
بعد الحرب ازدادت حالات الإصابة بالإدمان والأغلبية مهاجرون
ندير المستشفى بواقع (9) أطباء فقط وفتحنا باب التعاقد مع بعض الكوادر
مبادرة علاج مرضى الحرب نفسياً تعمل على إعادة التوازن وتجاوز حالات الاكتئاب وسط السودانيين
حوار: الهضيبي يس
فور الدخول إلى مستشفى التجاني الماحي لعلاج الأمراض النفسية والعصبية بالسودان، ينتابك إحساس بالتحسر والحزن العميق إزاء ما آلت إليه المرافق الصحية التي طالتها يد مليشيا الدعم السريع، وقامت بنهب وسلب كافة الممتلكات وتدمير جميع المرافق الحيوية. إذ يُعد مستشفى التجاني الماحي، الذي أُسس في منتصف خمسينيات القرن الماضي، من أهم وأشهر المستشفيات في السودان ومنطقة وسط وشرق أفريقيا لعلاج الأمراض النفسية، نظراً لما يتمتع به من قدرات وإمكانات. لتأتي حرب 15 من شهر أبريل لعام 2023 وتحطم مباني المستشفى العريق، حتى جاءت لحظة إطلاق مبادرة إعادة تأهيل وإعمار المستشفى على يد مجموعة من الأطباء، حيث كان لنا اللقاء التالي مع مديرة مستشفى التجاني الماحي د. مي محمد يوسف، فإلى الحصيلة.
عرفي قراء (ألوان) بنفسك؟
أنا د. مي محمد يوسف، المدير العام لمستشفى التجاني بأمدرمان. درست الطب في جامعة أمدرمان الإسلامية، وقد تخرجت في العام 1998، واخترت الذهاب إلى تخصص الطب النفسي، ومنذ العام 2000 وأنا أعمل بمستشفى التجاني الماحي لعلاج الأمراض النفسية.
أين كنتِ عندما بدأت الحرب في أبريل 2023؟ وهل اضطررتِ للنزوح؟
لم أضطر إلى النزوح قط، حيث كنت أقطن برفقة أسرتي الصغيرة والكبيرة بحي (الرباطاب) الشهير طوال فترة اندلاع الحرب، وقد عايشنا قدراً كبيراً من المعاناة نتيجة لإيقاع الحرب المتجدد، ولكن ثقتنا في انتصار الجيش كانت كبيرة.
أين تسكنين الآن؟ وكم يستغرق الوصول إلى المستشفى يومياً؟
أسكن في ذات المكان الذي عايشت فيه وقوع الحرب، والمسافة ما بين المستشفى ومنزلي لا تكاد تتجاوز 30 دقيقة.
كيف كانت اللحظة التي قررتم فيها إعادة فتح المستشفى بعد عامين من الإغلاق؟ ما الذي دفعكم لاتخاذ هذا القرار رغم نقص الموارد والكوادر؟
ما دفعنا هو أولاً انتهاء وزوال المهددات الأمنية، كذلك الحوجة المتزايدة من قبل المرضى للعلاج، وبعد نقاش مستفيض ما بيني وبعض الأطباء اتخذنا قرار فتح المستشفى، برغم ما كان يعانيه جراء النقص الحاد في الخدمات من مياه وكهرباء. فكان عدد الكوادر الطبية وقتها 6 أطباء فقط، والآن تجاوز العدد 9 منهم، فضلاً عن أن خطوة إعادة فتح المستشفى في شهر سبتمبر الماضي شجعت العديد من الأشخاص على دعم المستشفى ومبادرة علاج مرضى الحرب نفسياً، ومنهم النساء والأطفال وكبار السن.
تستقبلون حوالي 50 مريضاً يومياً، هل يمكنكِ وصف الحالة النفسية الأكثر شيوعاً؟
الآن بتنا نستقبل خلال اليوم الواحد من الحالات النفسية التي تعاني اضطرابات نتيجة لوقوع الحرب خلال 3 سنوات ما يقارب 70 حالة يومياً، سيما وأن أكثر الحالات شيوعاً تلك الحالات التي تعرضت لانتهاكات إنسانية، خاصة الفتيات والنساء، فنحن نجدنا نعمل جاهدين على توفير العلاج لتلك الحالات برغم شح الإمكانات، بينما البعض نقوم بتحويله إلى مستشفيات أخرى بغرض التنويم، بسبب ما تعرض له مستشفى التجاني من دمار على مستوى العنابر وبقية المرافق.
ذكرتِ ارتفاعاً حاداً في حالات إدمان المخدرات، خاصة الهالوبيريدول والكريستال ميث بين الشباب. لماذا برأيك تحديداً هذه الفئة العمرية (22 – 35 سنة)؟ وما علاقة هذا بالحرب؟
العلاقة هنا ما بين ارتفاع حالات تعاطي المخدرات والحرب، تعود إلى ملاحظة أن معظم الحالات المرضية التي تتردد على المستشفى بحثاً عن العلاج نجدها ممن هاجروا وقضوا سنوات الحرب خارج البلاد، وهناك بنت علاقات مع أشخاص يمارسون التعاطي وبيع المخدرات، خاصة باستهداف الشباب للفئة العمرية ما بين 22 – 35 سنة، مستغلين عدم وجود أي عمل لهؤلاء الشباب، وكذلك قدر الفراغ وسهولة ورغبة التعرف على عالم جديد نتيجة لوقوع النزوح واللجوء اللذين قد تعرضوا لهما.
كيف تديرين مستشفى بستة أطباء فقط بدلاً من عشرين؟ صفي لي يوماً عادياً في عملك، من لحظة وصولك صباحاً حتى مغادرتك. ما الذي تضطرين للتخلي عنه بسبب نقص الكوادر؟
كثيراً ما أضطر للتخلي عن بعض مسؤولياتي المنزلية بعد إعادة فتح المستشفى، فقد بت أقضي معظم وقتي داخل المستشفى بواقع توقيت يفوق 18 ساعة يومياً، بينما إدارة المستشفى بواقع 6 أطباء بطبيعة الحال أمر غاية في الصعوبة، ولكن ما نمتلكه من إرادة وعزيمة أكبر من أي شيء. فنحن الآن 9 أطباء، ولكن بمرور الوقت قادرون على مضاعفة العدد وتجاوز التحديات والصعاب. فالآن هناك ترتيب لعودة الكهرباء للمستشفى، وهو ما سيساعد كثيراً لما نهدف إليه من تطلع، فهناك مئات الحالات من المرضى باتت تشعر بتحسن بعد إعادة فتح المستشفى وزوال الإحساس بالاكتئاب مثلاً.
بعد ثلاثة أشهر من المفترض أن تكتمل الصيانة وتُفتح الأقسام الداخلية. لكن بصراحة، هل تعتقدين أن ستة أطباء يكفون لإدارة 100 سرير؟ ما الذي تحتاجينه فعلياً لجعل هذا المستشفى يعمل بشكل صحيح؟
فترة 3 أشهر قد وُضعت وحددت من قبل الشركة التي تعمل الآن على إعادة تأهيل وبناء ما دُمرته المليشيا من مرافق داخل المستشفى، وربما قد تحتاج فترة إضافية، ولكن نحن موعدون بانطلاق بصورة فعلية خلال 90 يوماً فقط من الآن، بينما حوجتنا الحقيقية تظل أكبر من المائة سرير، إنما فقدنا معظم الأجهزة الطبية التي كانت تساعد على تشخيص حالات المرضى.
كم تقدّرين عدد الأشخاص في الخرطوم الذين يحتاجون رعاية نفسية لكن لا يستطيعون الوصول إلى المستشفى؟
بالتأكيد ما بعد اندلاع حرب 15 من شهر أبريل لعام 2023 قد تضاعف العدد، وربما تجاوز الآلاف منهم، ولكن نحن حتى الآن لم نقم بإجراء أي مسوحات دقيقة للتوصل إلى رقم محدد، وإنما نقوم ببذل ما بوسعنا لتشخيص تلك الحالات وتوفير العلاج لها بصورة مجانية.
هناك من يتخوف من الوصول إلى المستشفى، هل بسبب (ارتفاع تكاليف العلاج؟ أم وصمة العار؟) ما سبب التردد على الطبيب النفسي؟
في السابق كان التخوف موجوداً، ولكن الآن اختلف الأمر نظراً لارتفاع مستوى الوعي وكسر حاجز وصمة العار، ووصف كل من يتردد على الطبيب النفسي بأنه شخص (مجنون)، كذلك فشل محاولات العلاج عند الشيوخ والعطارين، وفي نهاية المطاف تجدهم يطلبون علاج الأطباء النفسيين.
هل تفكرين في التخلي عن موقعك الحالي عقب الوصول لمرحلة التأهيل النهائية؟
لا، لن أفكر في هذا الأمر طالما أشعر بقدرة على العطاء وتقديم مزيد من الأدوار التي تخدم مستشفى التجاني الماحي والمرضى، ومستقبلاً نعكف على إعداد مشروع لتحويل التجاني الماحي إلى مرفق صحي لعلاج الأمراض النفسية في المنطقة ككل.