
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (5) .. كل حياة بعد الحسين رخيصة وكل أرض بعد كربلاء بلقع
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (5)
كل حياة بعد الحسين رخيصة وكل أرض بعد كربلاء بلقع
1
رغم الطعنة اللئيمة للئيم الفاجر عبدالرحمن بن ملجم التي اخترقت جسد علي بن أبي طالب الطاهر وهو على أعتاب الفجر إماماً ورغم نزيف الجِراح وتصاعد الألم إلا أنه في ثبات مبارك تلا على أبناءه وصيته التي تُعد واحدة من مناهج الرشاد في تاريخ المسلمين.
ولم أر رجلاً في تاريخ البشرية إتفقت على حبه كل الطوائف غير سيدي وقرة عيني أبو تراب أبو الشهداء، وإن كان هنالك مدخل لربط الحاضر بالماضي فإني أذكر أو أحذر ترامب أو نتنياهو أنهم باغتيالهم للإمام علي خامنئني مرشد دولة إيران المسلمة وسليل قافلة الشهادة والتضحيات بأنهم بفعلتهم المنكرة هذه قد فتحوا على أنفسهم وعلى شعوبهم اللعنة وأبواب الجحيم.
إن السادة شيعة علي وأنصاره وأحبابه من الطالبيين يعُدون كل حياة بعد شهادة علي لا قيمة لها وكل حياةٍ بعد استشهاد الحسين لا معنى لها إلا إذا بُذلت في سبيل البيت وأهل البيت وقِيم (أبو فاطمة)، وكل أرض بعد كربلاء كربٌ وبلاء، فهل استعدت الصهيونية العالمية وحليفتها الصليبية للثأرات الفياضة القادمة ولتضحيات وهدير الدم هل؟
وقد وثق الوصية الكثيرون في كتب التراث وهي على أصح الأقوال:
ولما ضرب ابن ملجم لعنه الله عليا رضي الله عنه، دخل منزله فاعترته غشية ثم أفاق، فدعا الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وقال: أوصيكما بتقوى الله تعالى، والرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا، ولا تأسفا على شيء فاتكما منها، فإنكما عنها راحلان. افعلا الخير وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا، ثم دعا محمدا ولده وقال له:
أما سمعت ما أوصيت به أخويك، قال: بلى. قال: فإني أوصيك به، وعليك ببر أخويك وتوقيرهما، ومعرفة فضلهما، ولا تقطع أمرا دونهما، ثم أقبل عليهما وقال:
أوصيكما به خيرا، فإنه أخوكما وابن أبيكما وأنتما تعلمان أن أباه كان يحبه، فأحباه، ثم قال: يا بني أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله في الشدة والرخاء، يا بني ما شرّ بعده الجنة بشر، ولا خير بعده النار بخير، وكل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية، يا بني من أبصر عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضي بما قسم الله له لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب أخيه هتكت عورات بنيه، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن خالط الأنذال احتقر، ومن دخل مداخل السوءاتهم، ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطؤه وقل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار، يا بني الأدب ميزان الرجل، وحسن الخلق خير قرين، يا بني العافية عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله تعالى، وواحدة في ترك مجالسة السفهاء، يا بني زينة الفقر الصبر، وزينة الغنى الشكر. يا بني لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعز من التقوى ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية. يا بني الحرص مفتاح التعب ومطية النّصب.
2
لو كنتُ أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية لدعوتُ الرؤساء والملوك والأمراء العرب لجلسة انعقاد طارئة، وأخرجتُ كتاب المدائني «مجمع الأمثال» وقرأتُ عليهم قصة تصلح للرعاة وللرعية، أبى الدهر أن يبليها، تميط اللثام عن غوامض الأزمة، وقد حكاها علي رضي الله عنه، حيث قال: إنما مَثَلي ومثلُ عثمان كمثل أثوار ثلاثة كنَّ في أَجَمةٍ (غابة): أبيضَ وأسودَ وأحمرَ، ومعهن فيها أسد، فكان لا يقدر منهن على شيء لاجتماعهن عليه. فقال للثور الأسود والثور الأحمر: لا يُدِلُّ علينا في أَجَمتنا إلا الثور الأبيض، فإن لونه مشهور ولوني على لونكما، فلو تركتماني آكُلُه صفَتْ لنا الأجمة. فقالا: دونك فكُلْه، فأكله. ثم قال للأحمر: لوني على لونك، فدعني آكل الأسود لتصفو لنا الأجمة، فقال: دونك فكُلْه، فأكله. ثم قال للأحمر: إني آكِلُكَ لا محالة، فقال: دعني أنادي ثلاثًا، فقال: افعل. فنادى: ألا إني أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض.
وحين انتهى الأمين العام من قراءة المثل العبقري قال في جملة واحدة آسرة ومعبرة: سادتي، هل أدركتم الآن لماذا سمَّت أمريكا وإسرائيل معركتهما الأخيرة ضد الشعب الإيراني المسلم بـ(زئير الأسد)؟
انتهت القمة، (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3).
3
من القصائد التي اهتم بها النُقاد جداً قصيدة (السيرة) والسيرة هي الُمقدمة الخالصة للعرس في بلادنا والذي لا يعرف القُرى لا يعرف (السيرة) بمعناها العميق وقد صورها في نص الرائع الشاعر الملهم محمد المهدي المجذوب وقد ابتدرها هذه البداية الوسيمة والموحية:
البُنيّاتُ فى ضرام الدلاليك
تسترن فتنةً وانبهارا
من عيونٍ تلفّتَ الكحلُ فيهنّ
وأصغى هُنيهةً ثمّ طارا
نحن جئنا إليك يا أمّها
الليلة بالزين والعديل المنُقّى
نحن جئناك حاملين جريد
النخل فألا على اخضرارٍ ورزقا
العذارى ألوانهن الرقيقات
نبات الظلال شف َّ وحارا
رأمته الخدور ينتظرُ الموسم
حتى يشع نورا ونارا
وبالرغم من روح القصيدة الغَزِلة والواصفة والمتمردة في جرأة وتهذيب للمجذوب إلا أنه لا ينسى بلاده أبداً في شوارده
وطنى كم بكيتُ فيك وخانوك
وصدقت دينهم والدمارا
ويتصل بكاءه على نفسه ووطنه حيث يختم القصيدة بأبياته الوالهات:
أنا أهواك يا بلادى ما
واليتُ غرباً ولا تبدلت شرقا
ما طموح الموظفين إلى
الجاه طموحى ، مع المساكين أبقى
آه من قريتى البرئية لا تعلم
كم فى مدينة (الترك) أشقى
فندق لا جوار فيه ولا أرحام
تنهى ولا معارف تبقى
وليت أحد المخرجين الشباب من أصحاب المواهب أن يجعل هذه القصيدة سيناريو (للسيرة) السودانية، وأتذكر أنني سمعت مرة عركي يغني بها في أحد البرامج بآلة العود وبالمناسبة عركي من العازفين المهرة لهذه الآلة العربية والفارسية العريقة. وقد سألت مرة العازف والموسيقار الكبير بشير عباس المشهور بعزفه المُجود بهذه الآلة عن الفنان الذي استوقفته طريقة عزفه المتميز فكانت دهشتي كبيرة حين قال: إن أميز فنان يعزف العود بمهارة ومحبة هو عركي.
حاشية: أهلنا من القدامى والأجداد يُطلقون على الخرطوم مسمى (مدينة التُرُكْ) ويطلقون على أم درمان مسمى (البقعة المباركة).
4
ومن نصائح الإمام الشافعي الباهرات في هذا الشهر الباهر:
لِسَانَكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرِئٍ
فَكُلُّكَ عَورَاتٌ وَلِلنَّاسِ ألسُنُ
وَعَينُكَ إِنْ أبدَتْ إِلَيكَ مَسَاوِئاً
فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَينُ لِلنَّاسِ أَعيُنُ
وَعَاشِرْ بِمَعْرُوفٍ وَسَامِحْ مَنِ اعْتَدَى
وَفَارِقْ وَلَكِنْ بِالتَّتِي هِيَ أَحْسَنُ