
الصادق الرزيقي يكتب: الخلاف بين موسى هلال وحميدتي لماذا وكيف (3)
أما قبل
الصادق الرزيقي
الخلاف بين موسى هلال وحميدتي لماذا وكيف (3)
بين البشير وهلال وحميدتي .. صناعة القوة ومآلات الصراع
من حرس الحدود إلى الدعم السريع.. إعادة تشكيل القوة والصراع
قوز دنقو وجبل عامر.. محطات مفصلية في صعود الدعم السريع
الذهب والسياسة والسلاح.. كيف تعمّق الخلاف بين هلال وحميدتي؟
جمع السلاح 2017م كان بداية القطيعة العلنية
قلنا في الحلقة الفائتة إن المراجعات التي أجرتها الدولة والقوات المسلحة أفضت في نهايتها إلى تجميد حرس الحدود واستيعاب بعض عناصره في الجيش بعد تدريب في جبيت، هدأت الأوضاع بين هلال وحميدتي قليلاً لكنها كانت ناراً تحت الرماد، عكف الشيخ موسى هلال على مهامه بعد تعيينه مستشاراً في ديوان الحكم الاتحادي، وبقي حميدتي مستشاراً في حكومة ولاية جنوب دارفور، وبأسلوب التجميد المتدرج عاجلت الدولة موضوع حرس الحدود، بينما كانت تشهد ولايات دارفور أحداثاً متفرقة هنا وهناك في إطار الصراعات القبلية وانحسار التمرد نسبياً، في تلك الفترة بدأ تفاوض مع الحركات المتمردة في الدوحة..
بينما كانت الأحداث تتفاقم في البلاد عقب انفصال جنوب السودان في يوليو 2011م، نقل الجيش الشعبي بقيادة عبد العزيز الحلو نشاطه إلى جنوب كردفان، وقعت الأحداث في كادوقلي 6/6/2012م، أشعلت الحركة الشعبية شمال الحرب مرة أخرى وتحالفت مع حركات دارفور، وقاد هذا التحالف هجمات على مدينتي أم روابة بشمال كردفان، ومدينة أب كرشولا بجنوب كردفان في الربع الأول من العام 2013م، ولم يجد الرئيس البشير بداً من إعادة التفكير في إسناد القوات المسلحة بظهير جديد وقوات مساندة، وحتى يتفادى تجربة حرس الحدود، قرر الرئيس إعادة صياغة التجربة السابقة وجاء بفكرة تكوين قوات خفيفة سريعة الحركة تقابل بذات أسلوب الحركات المتمردة، ونحت بنفسه اسم (قوات الدعم السريع)، وعزم على تكليف الشيخ موسى هلال لقيادة هذه القوات الجديدة، وتصادف أن الشيخ موسى كان موجوداً بالخرطوم، اتصل عليه هاتفياً طه عثمان مدير مكتب الرئيس البشير للمجيء إلى بيت الضيافة لاجتماع عاجل مع الرئيس، لكن فوجئ الجميع بعدم استجابة الشيخ موسى هلال وغادر فجر اليوم التالي إلى دارفور.
انتظر البشير عدة أيام وعلم بمغادرة هلال للخرطوم، فاستدعى السفير لدى سلطنة عمان الفريق أول عوض بن عوف من مسقط للتفاكر معه، بعد إطلاع ابن عوف على الفكرة ونظراً لعلاقته الوطيدة مع الشيخ موسى وجهه البشير بالاتصال على موسى هلال وإقناعه، وبصعوبة بالغة تم العثور على رقم هاتف الثريا للشيخ موسى في وسط باديته، ورد موسى هلال بعنف رافضاً المجيء للخرطوم أو المشاركة في هذه القوات، نقل الفريق ابن عوف للبشير فشل المسعى مع موسى، لكنه قال (لدي مجموعة أخرى من عرب دارفور سآتي لك بهم وهم أفضل لهذه المهمة)، فوافق البشير، ومن غرائب الصدف أنني ذهبت في تلك الأيام لزيارة الفريق بن عوف في منزله بالمهندسين أم درمان لتعزيته في والدته التي توفيت قبل فترة، فوجدت معه حميدتي وأخيه عبد الرحيم وبعض أخوالهما، وتلك كانت اللحظة التي شرح لهم فيها الفكرة التي رفضها هلال وأبلغ حميدتي باختياره لهذه المهمة.
بعد موافقة حميدتي وأسرته تم الترتيب لهم لمقابلة البشير، الذي وجه رسمياً بتكوين هذه القوات، وعقد اجتماعاً عاصفاً مع قيادة الجيش حيث حذر رئيس الأركان آنذاك الفريق أول مصطفى عبيد سالم من تكوين هذه القوات ورفض إلحاقها بالجيش، وقدم بعض كبار الضباط ملاحظات وإفادات في الاجتماع عن ضرورة الانتباه والتريث حتى لا تتكرر أخطاء حرس الحدود، وعدد من كبار الضباط المسؤولين عن إدارة الوضع في دارفور حذروا من مزالق وانتهاكات مثل هذه القوات الجديدة كما في تجربة حرس الحدود، من بين هؤلاء الضباط اللواء عبد الفتاح البرهان الذي قدم تقريراً في الاجتماع عن تجربة حرس الحدود. لكن تحت إصرار الرئيس البشير وقراءته وتقييمه للواقع العسكري والسياسي من كل الجوانب صدر القرار، وألحقت قوات الدعم بجهاز الأمن والمخابرات بعد موافقة الفريق أول محمد عطا مدير عام الجهاز مع استعداده للتعامل مع هذا الفصيل وإدارته.
في أول لقاء لحميدتي وشقيقه مع البشير، تم التوجيه بتخصيص (60) عربة لاندكروزر قتالية تسلم لهما، وطلب من حميدتي تجنيد خمسة آلاف من المقاتلين، لم تنفذ التوجيهات بالسرعة الكافية ولم يستطع حميدتي وشقيقه عبد الرحيم مقابلة البشير مرة أخرى، فأصابهما اليأس، وحاولا عدة مرات إيجاد طريق للبشير، ذهبا لمنزل الفريق أول عبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع يوم الجمعة يترجيانه بتنفيذ توجيهات البشير وتسهيل ملاقاته، ولما قنعا من هذا الدرب غير السالك نحو البشير، ذهبا إلى أحد شيوخ الطرق الصوفية المعروفين في أمبدة، وكان حميدتي وشقيقه يسكنان في جواره في ذلك الوقت، وطلبا من الشيخ التوسط لهما للقاء البشير وتبرع حميدتي للمسيد لقاء هذه الخدمة..!
ساعدت الظروف والأوضاع الأمنية في جنوب وشمال كردفان في لقاء البشير بآل دقلو، وتم الإيفاء بتجنيد ستة آلاف مقاتل بدلاً عن خمسة آلاف، وتم تعيين اللواء عباس عبد العزيز من جهاز الأمن والمخابرات وهو ضابط بالقوات المسلحة قائداً لقوات الدعم السريع، ومنح حميدتي رتبة العميد وعين قائداً ثانياً، وأعطي عبد الرحيم دقلو رتبة المقدم واحتج بشدة على منحه هذه الرتبة، وكان أداء الدعم السريع متوسطاً في معارك جنوب كردفان لطبوغرافيا المنطقة واختلافها عن معارك دارفور، وسرعان ما سحبت القوات وتمركزت في شمال كردفان وكثرت انتهاكاتها وتجاوزاتها في مدينة الأبيض وقرر الوالي مولانا أحمد هارون طرد هذه القوات من ولايته بعد أزمة حادة في أبريل 2014م، وحفرت هذه الأحداث أخدود عداء سافر من حميدتي لمولانا أحمد هارون من ذلك الوقت ودائماً ما يقول إن هارون من مناصري موسى هلال.
ولم تصعد قوات الدعم السريع إلى الواجهة بعد ذلك إلا عقب معركة قوز دنقو 2015م ومعارك وادي هور في نفس العام ضد حركات التمرد، وكانت أولى مجموعاتها التي بعثت لحرب اليمن قد بدأت..
برز الخلاف ثانيةً مع موسى هلال بعد هاتين المعركتين اللتين أبرزتا وأظهرتا الدعم السريع، وتبدى الخلاف عندما سعى حميدتي وشقيقه لدى البشير لمنحهم فرص الاستثمار في مجال التعدين وعملا على إزاحة كل الأعمال التعدينية لهلال في جبل عامر وسيطرا على المنطقة بالكامل واستجلبا مصنعاً للمخلفات التعدينية من الصين وتم تركيبه في جبل عامر، وعن طريق طه عثمان مدير مكتب البشير، حصل حميدتي وشقيقه على ما يقارب الـ(60) مليون دولار من جهة إماراتية في العام 2015م مقابل التعدين المشترك في منطقة جبل عامر ومنطقة سنقو بأقصى جنوب دارفور، وكانت تلك هي نواة الإمبراطورية الاقتصادية وتوسعت عندما دخلت شركة فاغنر الروسية كشريك مع الدعم السريع.
في هذه الأثناء زادت انتقادات هلال للدولة، معلناً تزعمه مجلس الصحوة الثوري وجاهر بمواقفه وطالب بعزل الوالي عثمان كبر من ولاية شمال دارفور، وحدثت مبادرات كثيرة لاحتواء الشيخ موسى أبرزها اللقاء في مدينة الجنينة مع مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني البروفيسور إبراهيم غندور في 12 نوفمبر 2015م في مقر قيادة فرقة الجيش بغرب دارفور، وكانت مطالب هلال في ذلك اللقاء (إعفاء الوالي كبر – منع قوات الدعم السريع من التجنيد في ولاية شمال دارفور – قبول مجلس الصحوة منبراً داخل الحزب الحاكم)، ورفضت الدولة والمؤتمر الوطني مطالب هلال، في الوقت الذي سمح للدعم السريع بالتجنيد نظراً لقرار زيادة عدد قوات الدعم السريع ومشاركة السودان في عاصفة الحزم وحرب اليمن وتبعية قوات الدعم السريع لمكتب الرئيس.
بدأ التراشق اللفظي هنا وهناك بين الشيخ موسى هلال في تسجيلات وخطابات مصورة، وحميدتي الذي يستخدم نفوذه بعد انفراده بقيادة القوات وتعيين شقيقه قائداً ثانياً وتمت ترقيته إلى رتبة الفريق، واتسعت فجوة الخلاف بين الطرفين، خاصة بعد قرار الجيش تخيير ما تبقى من عناصر حرس الحدود ما بين الانضمام للدعم السريع أو التسريح النهائي، بالفعل تم إلحاق كثير من ضباط وجنود حرس الحدود (المجمد) الذين تم تدريبهم بالدعم السريع.
ثم جاءت عملية جمع السلاح في دارفور 2017م وهي عملية ضخمة تم الترتيب لها تقودها لجنة عليا برئاسة نائب الرئيس حسبو محمد عبد الرحمن، وشهدت هذه الفترة تجاذباً وعنفاً لفظياً من موسى وضده… وكان هلال قد عاد إلى منطقة مستريحة بعد زيارة طويلة للخرطوم في محاولة طي ملف المشكلات مع الدولة في 2016م ولم تتحقق نتائج ملموسة من زيارته.
بدأت تحدث مناوشات بين الدعم السريع ومجموعة الشيخ موسى، خاصة في تنفيذ عملية جمع السلاح التي رفض مجلس الصحوة والشيخ موسى طريقة تنفيذها.
نواصل الحلقة القادمة والأخيرة.