واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (6) .. مسامرات الهزيع الثاني

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (6)

مسامرات الهزيع الثاني

كنت أستحي عندما أقرأ الإحصائيات عن عدد الكتب التي يقرأها اليابانيون والبريطانيون والأمريكيون والفرنسيون ودُولٌ عِدة من دول العالم الأول هل تصدقوا أن الفرد يقرأ في هذه الدول أكثر من مئة كتاب في العام! ونحن للأسف بالعالم العربي والأفريقي لا نقرأ كتابا واحداً في العام! بل إن البعض لا يقرأ كتاباً واحداً في عمره!
فهل علمتم أسباب هذا التخلف السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي؟ وهل أدركتم الآن لماذا يقتل بعضنا بعضا في لا شئ! إن المدخل المركزي للأخلاق والتقدم يبدأ بالكتاب وينتهي به.
ولأن القراءة والمطالعة ليست غريزة وإنما هي إكتساب فإنها تبدأ بمكتبة وأب قارئ وأم قارئة وجلسة مع الأطفال أو الأولاد بساعة واحدة في اليوم يتدارسون فيها كل كتاب قرؤوه مهما كانت بساطته وضعفه فالعقول تتنامى بالكتاب البسيط حتى تألف المراجع والأسفار.
ومن النصائح الصغيرة التي تُنمى هذه الموهبة أن تجعل أي فرد من أفراد أسرتك يختار فكرة أو حكاية أو معلومة يقتنصها من إحدى الكتب ويبدأ الجميع في تدارسها ويأمرهم الأب باختيار عنوان لهذه الاختيارات.
وعبر هذه العناوين التي تلخص الفكرة يبدأ العقل بالإبتكار، وأجمل تعليق في الجلسة على الأب أن يهدي لإبنه أو لإبنته كتاباً، ومن هنا تبدأ المعارف ومن هنا تبدأ المجتمعات المنتجة ومن هنا نبدأ.
وكان أساتذتنا يطبقون هذه النظرية معنا في حصص اللغة العربية وكنا نختار العناوين مع الحكايات ومن هنا بدأ حُبنا للكتب وتأسيسنا للمكتبات.
واستعادة لتلك الأيام الطيبة نُهديكم هذه الحكايات وعناوينها فما رأيكم دام فضلكم بأن تبدؤوا هذا المشوارالنبيل وسط عوائلكم الكريمة.

شكيتك على الله يا أبو نواس

ووفد أبو نواس على الخصيب بمصر، فأذن له وعنده الشعراء، فأنشد الشعراء أشعارهم، فلما فرغوا قال أبو نواس: أنشد أيها الأمير قصيدة هي كعصا موسى تلقف ما صنعوا. قال: أنشدها، فأنشده قصيدته التي منها قوله:

إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا
فأي فتى بعد الخصيب نزور
فتى يشتري حسن الثناء بماله
ويعلم أن الدائرات تدور
فما فاته جود ولا ضلّ دونه
ولكن يسير الجود حيث يسير

فاهتز الخصيب لها طرباً، وأمر له بألف دينار ووصيف ووصيفة.
حاشية: كان يقرأها علينا في ندوة فراج الطيب المسرحي والشاعر والمعلم خالد أبوالروس (وكان من عَبِيد الشعر، وحين يهتز في قلب القصيدة يصيح مستحولاً: (شكيتك على الله يا أبو نواس). والسودانييون حينما يغرقون في حب الأشياء والأشخاص ولا يجدون إليها من سبيل يقدحونها وهم يريدون المدح ومنها قول الفنجري:

الله يقدك يا أم قشاً بقوم ريقان
وجابولك حديداً غرق السيسان
كان حضروك ناس ود أب علي وحسان
ما بدوك لي فخري أبوعيونو مُكَان

يقال أن فخري كان مهندس المشروع في خشم القربة وكان رجلاً فاضلاً ومهنياً ولكنه لؤم الشعر والشعراء.

ولهذه اختار الجعليون العباس جِداً

حكى الكسائي أنه دخل على الرشيد يوما فأمر بإحضار الأمين والمأمون ولديه، قال: فلم يلبث قليلا أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هداهما ووقارهما وقد غضّا أبصارهما حتى وقفا في مجلسه، فسلما عليه بالخلافة، ودعوا له بأحسن الدعاء، فاستدناهما، وأسند محمدا عن يمينه وعبد الله عن يساره، ثم أمرني أن ألقي عليهما أبواباً من النحو، فما سألتهما شيئاً إلا أحسنا الجواب عنه، فسره ذلك سرورا عظيما، وقال كيف تراهما؟ فقلت:

أرى قمريّ أفق وفرعين شامة
يزينهما عرق كريم ومحتد
سليلي أمير المؤمنين وحائزي
مواريث ما أبقى النبي محمد
يسدّان أنفاق النفاق بشيمة
يزينهما حزم وسيف مهنّد

ثم قلت: ما رأيت أعز الله أمير المؤمنين أحداً من أبناء الخلافة ومعدن الرسالة وأغصان هذه الشجرة الزلالية آدب منهما ألسنا، ولا أحسن ألفاظاً، ولا أشد اقتداراً على الكلام روية وحفظا منهما، أسأل الله تعالى أن يزيد بهما الإسلام تأييداً وعزاً، ويدخل بهما على أهل الشرك ذلا وقمعاً. وأمّن الرشيد على دعائه، ثم ضمهما إليه، وجمع عليهما يديه، فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره، ثم أمرهما بالخروج وقال: كأني بهما وقد دهم القضاء، ونزلت مقادير السماء، وقد تشتّت أمرهما، وافترقت كلمتهما بسفك الدماء، وتهتك الستور.
وكان يقال بنو أمية دن خل أخرج الله منه زقّ عسل، يعني عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه.

ذوق وإتكيت

ومن آداب المضيف أن يحدث أضيافه بما تميل إليه نفوسهم، ولا ينام قبلهم، ولا يشكو الزمان بحضورهم، ويبش عند قدومهم، ويتألم عند وداعهم، وأن لا يحدث بما يروعهم به.

درسٌ قصير لكنه خطير في البلاغة

قال الإمام فخرالدين الرازي رحمة الله تعالى عليه في حد البلاغة: إنها بلوغ الرجل بعبارته كنه ما في قلبه مع الإحتراز عن الإيجاز المخل، والتطويل الممل، ولهذه الأصول شعب وفصول لا يحتمل كشفها هذا المجموع ويحصل الغرض بهذا القدر وبالله التوفيق إلى أقوم طريق.

الشباب ثراء لا يعرف قدره إلا الشيوخ

زارني مرة مجموعة من خريجي الجامعات وظلوا يشتكون من ندرة الوظائف قلت لهم كلاماً كثيراً ونصائح عدة لكن الكلمة الوحيدة التي اهتموا بها وكتبوها في هواتفهم (خذوها مني كونك شاب فأنت ملياردير ) ولن تدرك قيمة هذه الثروة إلا بعد أن تدرك الخمسين.
وأصدق بكاء على الشباب هو ما بكاه المتنبي شعراء والعجيب في الأمر أنه بكى الشباب وهو شاب لأنه يرى بعين البصيرة والإستشراف
وَلَقَد بَكَيتُ عَلى الشَبابِ وَلِمَّتي
مُسوَدَّةٌ وَلِماءِ وَجهِيَ رَونَقُ
وقد قال بعض البُلغاء إكمالاً لهذا الباب:
الشباب باكورة الحياة، وأطيب العيش أوائله كما أن أطيب الثمار بواكيرها. والشباب أبلغ الشفعاء عند النساء وأكثر الوسائل لقلوبهن، ولذلك قال الشاعر:
أحلى الرجال مع النساء مواقعا
من كان أشبههم بهنّ خدودا
وما بكت العرب على شيء ما بكت على الشباب، ولو لم يكن هذا الشباب حميدا وزمانه حبيبا لوسامة صورته وبهجة منظره وجمال خلقته واعتدال قامته لما جاور الله في جنات خلده الشباب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جرداً مرداً أبناء ثلاثين).

عَراقة وعِراق وعراقيون

عندما ترهقني وعثاء السياسة أقرأ لشعراء العراق أبدأهم بسيدهم أبو العلاء المعري ثم أشعرهم الجواهري وتلميذه عبدالرزاق عبدالواحد وصاحب مدرسة التجديد بدر شاكر السياب صاحب حفار القبور والمومس العمياء وأنشودة المطر وغريب على الخليج، ولا أنسى صحاب الأشعار المتمردة والنزقة وصاحب القصيدة الشتيمة التي لا تقهر مظفرالنواب ويطل أحمد مطر يذهب ولا نجد بعد رحيله الصندوق الأسود ومن عبارات مظفر التي تستوقفني:
(إذا رأيت عرابياً نائماً فأيقظه حتى لا يحلم بالحرية).

مسابقة وجائزتها الوعي

لا تحسبوا أن قصائد شوقي للأطفال وفي الأطفال ولا في الحيوان وأدب الحيوان، إنما هي في السياسة والسلطان والحاكمية. عزيزي القارئ عليك بتأمل قصيدة صاحب الشوقيات واكتب لنا من هو الأسد؟ ومن هو الثعلب؟ ومن هو الذئب المفترى عليه؟ ومن هو العجل السمين؟

نَظَرَ اللَيثُ إِلى عِجلٍ سَمين
كانَ بِالقُربِ عَلى غَيطٍ أَمين
فَاِشتَهَت مِن لَحمِهِ نَفسُ الرَئيس
وَكَذا الأَنفُسُ يُصيبُها النَفيس
قالَ لِلثَعلَبِ يا ذا الاِحتِيال
رَأسُكَ المَحبوبُ أَو ذاكَ الغَزال
فَدَعا بِالسَعدِ وَالعُمرِ الطَويل
وَمَضى في الحالِ لِلأَمرِ الجَليل
وَأَتى الغَيطَ وَقَد جَنَّ الظَلام
فَرَأى العِجلَ فَأَهداهُ السَلام
قائِلاً يا أَيُّها المَولى الوَزير
أَنتَ أَهلُ العَفوِ وَالبِرِّ الغَزير
حَمَلَ الذِئبَ عَلى قَتلى الحَسَد
فَوَشى بي عِندَ مَولانا الأَسَد
فَتَرامَيتُ عَلى الجاهِ الرَفيع
وَهوَ فينا لَم يَزَل نِعمَ الشَفيع
فَبَكى المَغرورُ مِن حالِ الخَبيث
وَدَنا يَسأَلُ عَن شَرحِ الحَديث
قالَ هَل تَجهَلُ يا حُلوَ الصِفات
أَنَّ مَولانا أَبا الأَفيالِ مات
فَرَأى السُلطانُ في الرَأسِ الكَبير
مَوطِنَ الحِكمَةِ وَالحِذقِ الكَثير
وَرَآكُم خَيرَ مَن يُستَوزَرُ
وَلِأَمرِ المُلكِ رُكناً يُذخَرُ
وَلَقَد عَدّوا لَكُم بَينَ الجُدود
مِثلَ آبيسَ وَمَعبودِ اليَهود
فَأَقاموا لِمَعاليكُم سَرير
عَن يَمينِ المَلكِ السامي الخَطير
وَاِستَعَدَّ الطَيرُ وَالوَحشُ لِذاك
في اِنتِظارِ السَيِّدِ العالي هُناك
فَإِذا قُمتُم بِأَعباءِ الأُمور
وَاِنتَهى الأُنسُ إِلَيكُم وَالسُرور
بَرِّؤوني عِندَ سُلطانِ الزَمان
وَاِطلُبوا لي العَفوَ مِنهُ وَالأَمان
وَكَفاكُم أَنَّني العَبدُ المُطيع
أَخدُمُ المُنعِمَ جَهدَ المُستَطيع
فَأَحَدَّ العِجلُ قَرنَيهِ وَقالَ
أَنتَ مُنذُ اليَومِ جاري لا تُنال
فَاِمضِ وَاِكشِف لي إِلى اللَيثِ الطَريق
أَنا لا يَشقى لَدَيهِ بي رَفيق
فَمَضى الخِلّانِ تَوّاً لِلفَلاه
ذا إِلى المَوتِ وَهَذا لِلحَياه
وَهُناكَ اِبتَلَعَ اللَيثُ الوَزير
وَحَبا الثَعلَبَ مِنهُ بِاليَسير
فَاِنثَنى يَضحَكُ مِن طَيشِ العُجول
وَجَرى في حَلبَةِ الفَخرِ يَقول
سَلِمَ الثَعلَبُ بِالرَأسِ الصَغير
فَفَداهُ كُلُّ ذي رَأسٍ كَبير