
الكتلة الديمقراطية .. وحدة الجبهة الداخلية بوابة العبور إلى الاستقرار
الكتلة الديمقراطية .. وحدة الجبهة الداخلية بوابة العبور إلى الاستقرار
تقرير: مجدي العجب
في أمسيةٍ رمضانيةٍ اتشحَت بروح التآلف والدعاء، بدت مدينة بورتسودان وكأنها تستعيد شيئاً من سكينة البحر وصلابته معاً. هناك، وتحت سقف دار الشرطة، لم يكن الإفطار السنوي مجرد مناسبة اجتماعية عابرة، بل منصةً سياسيةً حملت رسائل تتجاوز حدود المكان والزمان. اجتمع قادة الكتلة الديمقراطية وتحالف العدالة، يتقدمهم جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي وبحر إدريس أبوقردة، في لحظةٍ وطنيةٍ دقيقة تتقاطع فيها تحديات الميدان مع رهانات السياسة والاقتصاد. وسط أجواءٍ تختلط فيها الدعوات الصادقة بقلق المرحلة، ارتفعت الكلمات لتؤكد أن وحدة الجبهة الداخلية ليست شعاراً للاستهلاك، بل شرطاً لازماً لعبور العاصفة. وبين حديثٍ عن التلاحم الوطني، وتأكيدٍ على أولوية معالجة جراح النزوح وبناء مؤسسات راسخة، تشكلت ملامح رؤيةٍ ترى في الاصطفاف الوطني طريقاً للنصر، وفي الحوار السوداني الخالص مدخلاً لإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار.
وأقام “تحالف العدالة” بمدينة بورتسودان إفطاره السنوي بدار الشرطة، وسط حضور سياسي وعسكري واسع، تقدمه رئيس حركة العدل والمساواة السودانية الدكتور جبريل إبراهيم، وحاكم إقليم دارفور ورئيس حركة جيش تحرير السودان القائد مني أركو مناوي، ورئيس تحالف العدالة الدكتور بحر إدريس أبوقردة. وفي كلمته خلال الإفطار، أكد الدكتور جبريل إبراهيم على أهمية التلاحم القائم حالياً بين القوات المسلحة والقوى المساندة والشعب السوداني، مشيراً إلى أن هذا الاصطفاف غير نظرة العالم للأزمة، وأثبت أن النصر النهائي رهين بتوسيع قاعدة هذا التلاحم وتجاوز الانقسامات التنظيمية الضيقة. كما تطرق د. جبريل إلى الواقع الاقتصادي والإقليمي، لافتاً إلى أثر الصراعات الإقليمية والدولية على الأوضاع الاقتصادية الداخلية وأسعار السلع، داعياً إلى ضرورة “إيقاظ الهمم” وتكاتف الجهود لخلق واقع اقتصادي جديد يتجاوز تحديات المرحلة.
من جانبه، استعرض حاكم إقليم دارفور، القائد مني أركو مناوي، تطورات المشهد السياسي والميداني، لافتاً إلى التحول الكبير في مواقف المعارضة بالخارج وتأثير التدخلات الدولية.
وشدد مناوي على أن القوة وحدها لا تصنع استقراراً مستداماً، داعياً إلى ضرورة التعايش السلمي ومعالجة قضايا النازحين كأولوية قصوى في المرحلة المقبلة.
وفي السياق ذاته، دعا الدكتور بحر إدريس أبوقردة إلى ضرورة العمل الجماعي لبناء مؤسسات سياسية وتشريعية راسخة تحافظ على المكاسب الوطنية، مؤكداً أن تحرير ما تبقى من الأرض يتطلب تنسيقاً عالياً بين كافة مكونات التحالف والقوات النظامية.
وشدد أبوقردة على أهمية تكاتف الجميع وبناء مؤسسات دستورية تشمل “المجلس التشريعي” لضمان الاستقرار السياسي، وتأسيس واقع يمنع تكرار انكسارات الماضي.
وفي ختام اللقاء، أجمع المتحدثون على أن أي حوار مستقبلي يجب أن يكون “سودانياً – سودانياً” بملكية وطنية خالصة، يرفض الإملاءات الخارجية ويؤسس لواقع جديد ينهي حالة الحرب ويحقق تطلعات الشعب السوداني في الأمن والاستقرار والعيش الكريم.
دلالات عميقة
ويقول الصحافي والمحلل السياسي عاصم البلال الطيب أن مشهد الإفطار السياسي في بورتسودان يتجاوز رمزيته الاجتماعية إلى دلالات سياسية عميقة، تعكس إدراكاً متزايداً لدى مكونات الكتلة الديمقراطية بأن معركة السودان لم تعد عسكرية فحسب، بل هي معركة وعيٍ وتماسكٍ داخلي. ولفت في حديث خص به ألوان إلى أن خطاب قادة التحالف حمل رسائل مزدوجة: الأولى للداخل بضرورة رص الصفوف وتوسيع قاعدة الاصطفاف الوطني، والثانية للخارج بأن القرار السوداني ينبغي أن يظل بيد السودانيين بعيداً عن الضغوط والإملاءات.
وأكد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تحقيق مكاسب ميدانية، بل في القدرة على تحويل هذا التلاحم الظرفي إلى مشروع سياسي مستدام يؤسس لدولة مؤسسات وقانون. ويرى أن الدعوة إلى بناء مجلس تشريعي وتفعيل الأطر الدستورية تمثل اختباراً جدياً لمدى استعداد القوى السياسية للانتقال من خطاب التعبئة إلى خطاب الدولة.
وختم حديثه لما قائلا: وحدة الجبهة الداخلية، إن لم تُترجم إلى برامج اقتصادية واضحة ومعالجات عاجلة لقضايا النازحين والغلاء المعيشي، فقد تفقد زخمها الشعبي، أما إذا اقترنت بإصلاحات حقيقية، فستكون بالفعل أقصر الطرق نحو الاستقرار والنصر.
وحدة الجبهة الداخلية
فيما يرى محللون ومراقبون للشأن السوداني أن الرسائل التي خرج بها لقاء بورتسودان تمثل محاولة لإعادة صياغة المشهد السياسي تحت عنوان “وحدة الجبهة الداخلية”، في ظل تحولات عسكرية وإقليمية متسارعة. ويشير هؤلاء المللون الذين استطلعتهم ألوان إلى أن التأكيد على التلاحم بين القوى السياسية والقوات النظامية يعكس إدراكاً بأن كسب المعركة لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بإسناد سياسي وشعبي يضفي شرعية أوسع على أي تحركات ميدانية.
ويذهب بعض المراقبين إلى أن الدعوة إلى حوار “سوداني – سوداني” تحمل في طياتها رغبة في تقليص تأثير المبادرات الخارجية، لكنها في الوقت نفسه تضع القوى السياسية أمام اختبار صعب: هل تستطيع فعلاً إدارة خلافاتها داخلياً وبناء أرضية مشتركة بعيداً عن الاستقطاب الحاد؟ كما يرى آخرون أن الحديث عن تأسيس مجلس تشريعي وبناء مؤسسات دستورية ينبغي أن يقترن بخطوات عملية وجداول زمنية واضحة، حتى لا يتحول إلى مجرد تعهدات سياسية. ويؤكد هؤلاء أن الشارع السوداني بات يقيس المواقف بمدى انعكاسها على معاشه اليومي وأمنه واستقراره، لا بمجرد الخطابات الجامعة.
رسائل واضحة
لذا فقد، بدا لقاء بورتسودان أكثر من مجرد مناسبة رمضانية؛ إذ حمل في طياته رسائل سياسية واضحة عنوانها العريض: توحيد الصف الوطني في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد. وبين الدعوة إلى تعزيز التلاحم الداخلي، وبناء مؤسسات دستورية راسخة، وإطلاق حوار سوداني خالص، تتقاطع الآمال مع التحديات على أرضٍ أنهكتها الحرب وأرهقها الانتظار. غير أن العبرة – كما يرى مراقبون – ليست في قوة الشعارات، بل في صدقية التنفيذ، وفي قدرة القوى السياسية على تحويل هذا الاصطفاف إلى مشروع دولة يتجاوز الحسابات الضيقة ويضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار. فإما أن تُترجم هذه التعهدات إلى واقعٍ يعيد الأمن والاستقرار ويخفف معاناة المواطنين، وإما أن تظل محطةً عابرة في سجل الأزمة. وبين الاحتمالين، يظل الرهان معقوداً على إرادة السودانيين في صناعة مستقبلهم بأيديهم.