حرب الخليج ترشح موانئ السودان كبدائل رغم ضعف القدرات التشغيلية

رصد: ألوان

تختبر موانئ السودان على البحر الأحمر جاهزيتها لاحتمال استقبال التجارة العالمية عقب اندلاع الحرب في الخليج العربي واحتمال تأثر ممرات بحرية حيوية، على رأسها مضيقي هرمز وباب المندب. وحال تأثرت حركة التجارة العالمية بالحرب في الشرق الأوسط تبرز أهمية الموانئ السودانية وفي مقدمتها ميناء بورتسودان. ويقع ميناء بورتسودان على الساحل الشرقي للسودان، ويعد المنفذ الرئيسي لصادرات وواردات البلاد. ويضم الميناء عدة مرافق رئيسية من بينها الميناء الجنوبي للحاويات، والميناء الشمالي المخصص للبضائع السائبة والسلع الأساسية، إضافة إلى ميناء بشائر الذي يستخدم في تصدير نفط جنوب السودان.

ويرى خبراء في قطاع الملاحة البحرية أن السودان يمتلك موقعاً جغرافياً متميزاً وساحلاً يمتد لنحو 730 إلى 800 كيلومتر على البحر الأحمر، ما يمنحه فرصة استراتيجية ليكون بوابة لوجستية لعدد من الدول الأفريقية غير المطلة على البحر. غير أن تحقيق ذلك يتطلب تطويراً كبيراً في البنية التحتية للموانئ وتحسين كفاءتها التشغيلية.

قدرات محدودة

ويقول المدير العام السابق لهيئة الموانئ البحرية السودانية، أونور محمد آدم سلطان، لـ”سودان تربيون”، إن حركة التجارة العالمية تعتمد بدرجة كبيرة على ما يعرف بالموانئ المحورية، وهي الموانئ القادرة على استقبال سفن الحاويات العملاقة التي قد تحمل أكثر من 12 ألف حاوية نمطية (TEU)، قبل إعادة توزيعها إلى موانئ أصغر عبر سفن أقل حجماً فيما يعرف بعمليات المسافنة.

ويضيف سلطان أن هذه السفن تحتاج إلى موانئ ذات أعماق كبيرة تتجاوز 18 متراً، وهو ما لا يتوفر حالياً في ميناء بورتسودان، الأمر الذي يحد من قدرته على استقبال السفن العملاقة بشكل مباشر. ويذكر أن الميناء يحتاج إلى عمليات تطوير تشمل تعميق الغاطس إلى أكثر من 18 متراً وتحديث معدات تداول الحاويات حتى يتمكن من استقبال هذا النوع من السفن. ويشير سلطان إلى أن حركة الحاويات في الموانئ السودانية تراوحت خلال الفترة بين عامي 2019 و2021 بين نحو 450 ألف و500 ألف حاوية نمطية سنوياً، وهي أرقام تعكس حجم التجارة السودانية خلال تلك الفترة. ويؤكد أن موانئ السودان لا تشهد حالياً تكدساً كبيراً للبضائع أو فترات انتظار طويلة للسفن خارج الميناء، لكنه يوضح أن السبب في ذلك يعود إلى انخفاض حركة الواردات والصادرات نتيجة ظروف الحرب التي تمر بها البلاد، وليس إلى ارتفاع الطاقة التشغيلية للميناء.

فرص واعدة

من جانبه، يرى الخبير في شؤون الموانئ عبد القادر أبو علي مجذوب، في حديثه لـ”سودان تربيون”، أن الموانئ السودانية أُنشئت أساساً لتلبية احتياجات الاقتصاد المحلي، ولذلك فإن طاقتها الاستيعابية الحالية تظل محدودة مقارنة بالموانئ الإقليمية الكبرى في المنطقة. ويفيد بأن الميناء الجنوبي في بورتسودان يضم نحو ثمانية مرابط مخصصة لسفن الحاويات، بينما يستقبل الميناء الشمالي البضائع السائبة مثل القمح والحبوب، في حين يخصص ميناء سواكن أساساً لحركة الركاب وبعض الأنشطة المحدودة. ويقول مجذوب إن المرابط الحالية في بورتسودان محدودة نسبياً، كما أن بعض الأرصفة لا تحتوي على الرافعات الحديثة، وتعتمد في بعض الحالات على معدات السفن نفسها في عمليات التفريغ. ورغم هذه التحديات، يشير مجذوب إلى أن الموقع الجغرافي للسودان يمنحه فرص مهمة ليكون مركزاً للخدمات اللوجستية للدول الأفريقية غير المطلة على البحر، مثل تشاد وأفريقيا الوسطى، إضافة إلى بعض دول غرب أفريقيا.

وأضاف أن الساحل السوداني يتميز بقربه النسبي من هذه الدول مقارنة ببعض الموانئ الأخرى في المنطقة، الأمر الذي قد يمنحه ميزة تنافسية إذا تم تطوير الموانئ والبنية التحتية المرتبطة بها. ويرى أن الاستفادة من هذه الفرص يتطلب إنشاء مستودعات ومناطق لوجستية حديثة، ورفع الطاقة الاستيعابية للموانئ، إضافة إلى تطوير شبكات السكك الحديدية والطرق البرية التي تربط الموانئ بداخل البلاد وبالدول المجاورة.

منافسة إقليمية

ويواجه السودان منافسة قوية من موانئ البحر الأحمر الأخرى في المنطقة، خاصة في مصر والسعودية وجيبوتي، والتي تمتلك موانئ حديثة ذات أعماق كبيرة وتجهيزات متطورة قادرة على استقبال أكبر سفن الحاويات في العالم. ويقول مجذوب إن الموانئ السودانية ما زالت تعمل بإمكانيات محدودة نسبياً مقارنة بهذه الموانئ، لكنها قد تستفيد مستقبلاً إذا تم الاستثمار في تطوير الساحل السوداني وإنشاء موانئ حديثة.

أهمية جغرافية

في المقابل، يرى المحلل الاقتصادي هيثم محمد فتحي، في حديثه لـ”سودان تربيون”، أن أهمية الموانئ السودانية تنبع من موقعها الجغرافي الذي يقع تقريباً في منتصف المسافة بين آسيا وشرق أوروبا، ما يجعلها مؤهلة لأن تكون مركزاً لخدمات السفن وصيانتها. ويضيف أن أهمية البحر الأحمر تزايدت في السنوات الأخيرة، إذ يمر عبره نحو 20% من التجارة العالمية وحوالي 30% من تجارة النفط العالمية.

ويشير إلى أن بورتسودان، التي تضم الميناء الرئيسي للسودان، تصدر سنوياً بضائع تقدر بنحو 4 مليارات دولار، بينما تبلغ قيمة الواردات عبرها نحو 7.5 مليار دولار، ما يجعل الميناء جزءاً أساسياً من الاقتصاد السوداني.

ويوضح أن من أبرز المرافق الاقتصادية في بورتسودان مصفاة النفط التي تعالج النفط المنقول بشكل رئيسي من جنوب السودان قبل تصديره إلى الأسواق العالمية، وهو ما يوفر للسودان عائدات مهمة من رسوم العبور والخدمات المرتبطة بقطاع النفط.

كما تضم المدينة منطقة تجارة حرة أنشئت في عام 1999 بالتزامن مع طفرة إنتاج النفط في السودان، وتقع في موقع استراتيجي يربط بين الميناء ومطار بورتسودان الدولي.

تطوير الميناء

ويقول فتحي إن عملية إعادة تأهيل ميناء بورتسودان بدأت في عام 2006 بدعم من استثمارات صينية، بينما شهد عام 2011 أحد أبرز التطورات بعد اكتمال إنشاء محطة حاويات جديدة بسعة تصل إلى 800 ألف حاوية سنوياً.

ويذكر أن هذا التطوير أسهم في تحسين أساليب التشغيل في الميناء الجنوبي ورفع كفاءة تداول الحاويات وزيادة تردد سفن الخطوط الملاحية.

ويجمع الخبراء على أن تحول السودان إلى مركز لوجستي إقليمي يتطلب تنفيذ إصلاحات واسعة تشمل تعميق الموانئ لزيادة الغاطس إلى أكثر من 18 متراً، وتحديث الرافعات ومعدات المناولة، وإنشاء مناطق لوجستية ومستودعات حديثة، إضافة إلى تطوير شبكات السكك الحديدية والطرق القومية.

كما يشيرون إلى أهمية جذب استثمارات أجنبية وإقامة شراكات مع شركات تشغيل موانئ عالمية لتحسين كفاءة الإدارة والتشغيل.

ويمتلك السودان مقومات جغرافية مهمة قد تمكنه من لعب دور أكبر في حركة التجارة عبر البحر الأحمر، غير أن الاستفادة من هذه الفرصة تبقى مرتبطة بتحقيق الاستقرار الداخلي وتطوير البنية التحتية للموانئ.

ويحتاج ميناء بورتسودان إلى توسعة الأرصفة وتعميقها، إذ يبلغ طول الأرصفة الحالية نحو 1478 متراً، فيما تصل المساحات التخزينية إلى نحو 1.48 مليون متر مربع، وهي قدرات تظل محدودة مقارنة بالموانئ العالمية التي تمتلك أرصفة أطول ومساحات تشغيلية أكبر تسمح بتداول أسرع للحاويات وتقليل زمن انتظار السفن.

وفي خطوة تهدف إلى تطوير العمل المينائي، وقعت حكومة ولاية البحر الأحمر في ديسمبر الماضي مذكرة توأمة مع مقاطعة مرسين التركية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات في مجالات تشغيل الموانئ والخدمات اللوجستية، غير أن خبراء يرون أن تأثير هذه الخطوة سيظل محدوداً ما لم تقترن باستثمارات حقيقية وخطط تطوير واضحة.

وفي ظل التحولات الجارية في حركة التجارة العالمية، قد يمثل تطوير الموانئ السودانية أحد المفاتيح المهمة لتحويل الموقع الاستراتيجي للبلاد على البحر الأحمر إلى مكسب اقتصادي فعلي في المستقبل.