
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (7) .. ليلة من ليالي أخوان الصفا وخِلان الوفا
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (7)
ليلة من ليالي أخوان الصفا وخِلان الوفا
1
هذه الكلمات البليغة التي وردت في كتابات العرب والمسلمين في فن الخدعة والتخابر في الحرب إستفاد منها كل أعداء العرب والمسلمين ولم تفدهم ،وقد طبقوا عليها نظرية (زامر الحي لا يُطرِب) كلمات طرِب لها واستفادت منها المخابرات الأجنبية عزيزي القارئ عليك بتدبرها حتى تدرك بأن الموساد قد جعل منها برنامج عمل ومنهج في ضرب قلب دول إيران المسلمة التي تكاثف على ساحتها الفِرسان والعلماء، وبذات العدد للأسف الخونة والعملاء، فهل علمتم الآن لما إمتلأت المدينة الحزينة طهران بالمغدورين وضحايا الإغتيال؟. قال العارف في الكلمات التي تستحق الإستدلال:
ومن الحيل في الحرب أن يبث جواسيسه في عسكر عدوه ليستعلم أخبارهم، ويستميل قلوب رؤسائهم، وذوي الشجاعة منهم، فيدس إليهم، ويعدهم وعدا جميلا. ويقوي أطماعهم في نيل ما عنده من الهبات الفخيمة والولايات السنية، وإن رأى وجها عاجلهم بالهدايا وسامهم إما الغدر بصحبهم، وإما الاعتزال وقت اللقاء، ويكتب على السهام أخبارا مزورة، ويرمي بها في جيوشهم.
2
وعندما تنكر العرب لتاريخ السيوف البواتر ضربتهم الأيام الفواتر، وعندما تنكروا للخيل غادرهم الخير وعندما كرهوا الآخرة وأحبوا الدنيا فقدوا الدنيا وفقدوا الآخرة، وصار أسهل ما في برامج أعداءهم أن يهزمونهم متى شاؤوا وكيف شاؤوا وكانت العرب تفتخر في شِعراها بالخيل وبالسيف وبالفارس وبالخمر وبالوقوف على الأطلال، وولأسف فقد تركنا في زماننا هذا كل البواعث الرصينة للشعر ولم يتبق لنا في افتراعاته إلا الخمر والوقوف على الأطلال ومما أعجبني في الحرص على توثيق السيوف ورمزيتها سيف عمرو بن معد كرب وقد وردت في سيرة هذا السيف الباتر الرامز الشهير أن صمصام عمرو أشهر سيوف العرب، وممن تمثل به نهشل، فقال:
أخ ماجد ما خانني يوم مشهد
كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
ولما وهبه عمرو لخالد بن سعيد بن العاص عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن قال:
خليلي لم أخنه ولم يخنّي
إذا ما صاب أوساط العظام
خليلي لم أهبه من قلاه
ولكنّ المواهب للكرام
حبوت به كريما من قريش
فسّر به وصين عن اللئام
وودّعت الصّفي صفيّ نفسي
على الصمصام أضعاف السلام
ولم يزل في آل سعيد حتى اشتراه خالد بن عبد الله القسري بمال جزيل لهشام، وكان قد كتب إليه فيه، فلم يزل عند بني مروان، ثم طلبه السفاح والمنصور والمهدي، فلم يجدوه، فجد الهادي في طلبه حتى ظفر به، وكان مكتوبا عليه هذا البيت:
ذكر على ذكر يصول بصارم
ذكر يمان في يمين يماني
3
كان المنصور على شدته وهيبته ومعرفته بالأدب والرجال مُقتِرا وبخيلاً وقد حُكى عنه في أيام العرب أن مسلم الحادي مر به في طريقه إلى الحج، فحدا له يوماً بقول الشاعر:
أغرّ بين الحاجبين نوره
يزينه حياؤه وخيره
ومسكه يشوبه كافوره
إذا تغذّى رفعت ستوره
فطرب حتى ضرب برجله المحمل ثم قال: يا ربيع أعطه نصف درهم، فقال مسلم: نصف درهم! يا أمير المؤمنين، والله لقد حدوت لهشام، فأمر لي بثلاثين ألف درهم. فقال: تأخذ من بيت مال المسلمين ثلاثين ألف درهم، يا ربيع: وكّل به من يستخلص منه هذا المال.
قال الربيع: فما زلت أمشي بينهما وأروضه حتى شرط مسلم على نفسه أن يحدو له في ذهابه وإيابه بغير مؤنة.
حاشية:
لقد طمع هذا المسكين في التحايل على بُخل المنصور فاستشهد بكرم هشام بن عبدالملك الأموي الذي يمنح في القصيدة ثلاثين ألف دينار فأمر المنصور أن يستردها منه بأثر رجعي ونحن في السودان نُعلق على مثل هذه ا(لشلاقه) بقولنا ( جينا لي مكة تغنِينا قلّعَت طواقينا)
وفي باب البخل والبخلاء أيضاً قول الشاعر يذم جيرانه:
“وَجيرَةٍ لا تَرى في الناسِ مِثلَهُمُ
إِذا يَكونُ لَهُم عيدٌ وَإِفطارُ
إِن يوقِدوا يُوسِعونا مِن دُخانِهِمُ
وَلَيسَ يَبلُغُنا ما تَنضُجُ النارُ
4
ولأن الحاكمية لله يؤتيها من يشاء وينزعها ممن يشاء وفي تقدير منه تعالى قد يلي الناس من هم أصحاب استبداد وجهل ووضاعة وقيل:
أن أحد الأمصار وُليّ عليها رجلٌ يدعى الربيع بن عبد الله العامري على اليمامة، وكانت فيه حمق وجهالة ووما يحكي عنه أنه أقتص من كلب قتل كلبا فصارت طرفت المدينة والمجالس وقد عبر عنها أحد الشعراء ، فاقتص يومًا لكلبٍ قتله كلبٌ آخر، فقال فيه أحد الشعراء:
شهدت بأن الله حقٌ لقاؤُهُ
وأنَّ الربيعَ العامريَّ رقيعُ¹
أقادَ لنا كلبًا بكلبٍ ولم يدَعْ
دماءَ كلابِ المسلمين تضيعُ
5
إن سِيَر الكبار في تاريخنا يظنها البعض أنها مجرد حكايات للتداول وتزجية الوقت مع أنها في علم التاريخ يجب أن تكون إنتصاراً للحاضر من سالف الأزمنة ، فالرجال والمعارك والإبتلاءات والفتن هي التي تُنير الطريق للأمم التي تجيد الإستبصار والتدبر.
وهذه الحكاية لهؤلاء الكِبار نهديها للذين يُدخلون في معاركهم الداخلية الأجنبي فتتحول القطيعة إلى أزمة ثم إلى نكبة ثم إلى كارثة قيل أن:
ملك الروم أرسل رسالة إلى معاوية بن أبي سفيان وقت خلافه مع علي رضي الله عنه يقول فيها:
ﻋﻠﻤﻨﺎ ﺑﻤﺎ ﻭﻗﻊ ﺑﻴﻨﻜﻢ ﻭﺑﻴﻦ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻃﺎلب، وإنا لنى أنكم أحق منه بالخلافة ، فلو أمرتني أرسلت لك جيشاً لا قِبَل لعلي به يأتون إليك برأسه.
فلما وصل كتاب هرقل لمعاوية طلب من كاتبه أن يَخط على ظهر الرقعة الرد التالي:
أخوان تشاجرا فما بالك تدخل فيما بينهما وتعلي من نباحك؟ إن لم تخرس نباحك أرسلت إليك بجيش أوله عندك وآخره عندي يأتونني برأسك أقدمه لعليّ وأَمرَ برد الرسالة لصاحبها.
6
السودانيون يطلقون على البخيل الثري الذي يرد الناس عن حاجتهم (مستجد النعمة) ،وذكر أنه قِيل يوماً لإعرابي: ما السقم الذي لا يبرأ والجرح الذي لا يندمل؟ قال: حاجة الكريم إلى اللئيم.
وقال أبو محلم السعدي:
إذا رماك الدهر في الضيق فانتجع
قديم الغنى في الناس إنّك حامده
ولا تطلبنّ الخير ممّن أفاده
حديثا ومن لا يورث المجد والده
وقد أخذ منها عكير الدامر:
ود بيت المَحَل ما تجر معاه موده
وما تِنغشّ بي رزقو الحجر ما انكده
كل يوم العِرِق لي أصلو ماخد مَدَه
مو غضاي غروض ود أب إيدو قاطعه المَدَه
7
كان الراحل والموسيقار برعي محمد دفع الله والملحن الكبيروالأفندي الشهير وعازف العود الخطير له معرفة بالأدب والشعر وخاصة الموسيقى، وكان عضواً مُعتبر الحُجة في إجازة أصوات المطربين.
وفي جلسات الإجازة التي تعقد كل عدة أشهر كان الكثيرون من أصحاب الأصوات النشاز المُكدِرة يتوافدون زرافات ووحدانا فيُرفضون حالاً مع تعليق مهذب حتى يبحثوا عن مهنة أخرى، وكانوا غالباً ما يُجِيزون صوتاً واحداً صداحاً في تلك الجِلسة وبعد أن يُنهي الصوت الجديد أو العُصفور القادم بالإجازة والتصريح بمزاولة الغناء يرتفع صوت الراحل برعي بأبيات إيليا أبو ماضي شيخ الشعراء المهجريين وهو نصٌ نرشحه لأحد المطربين الشباب لغنائه يقول إيليا بصوت بصوت برعي :
قالَ الغُراب وَقَد رَأى كَلَفَ الوَرى
وَهَيامَهُم بِالبُلبُلِ الصَدّاحِ
لِمَ لا تَهيمُ بِيَ المَسامِعُ مِثلَهُ
ما الفَرقُ بَينَ جَناحِه وَجَناحي
إِنّي أَشَدُّ قِوى وَأَمضى مِخلَباً
فَعَلامَ نامَ الناسُ عَنِ اِمتِداحي
أَمُفَرِّقَ الأَحبابِ عَن أَحبابِهِم
وَكُكَدِّرَ اللَذات وَالأَفراحِ
كَم في السَوائِلِ مِن شَبيهٍ بِالطَلا
فَعَلامَ لَيسَ لَها مُقامُ الراحِ
لَيسَ الحُظوظُ مِنَ الجُسوم وَشَكلِها
السُرُّ كُلُّ السِرِّ في الأَرواحِ
وَالصَوتُ مِن نِعَمِ السَماء وَلَم تَكُن
تَرضى السَما عَنِ الصَدّاحِ
حَكَمَ القَضاءُ فَإِن نَقِمتَ عَلى القَضا
فَاِضرِب بِعُنقِكَ مُديَةَ الجَرّاحِ