د. حسن عبد الله الترابي .. سيرة ومسيرة

أحد أبرز الشخصيات الفكرية والسياسية في السودان والعالم العربي والإسلامي

د. حسن عبد الله الترابي .. سيرة ومسيرة

تقرير: القسم السياسي

حلّت في الخامس من مارس الذكرى العاشرة لرحيل الدكتور حسن عبد الله الترابي، أحد أبرز الشخصيات الفكرية والسياسية في السودان المعاصر، والذي شكّل حضوره السياسي والفكري جزءًا مهمًا من تاريخ البلاد خلال العقود الأخيرة. فقد جمع بين التكوين العلمي الرفيع والنشاط السياسي الواسع، وكان له تأثير واضح في مسار الحركة الإسلامية وفي الحياة السياسية السودانية.

 

النشأة والبدايات العلمية

وُلد د. حسن عبد الله الترابي في مدينة كسلا بشرق السودان في الأول من فبراير عام 1932، ونشأ في أسرة متدينة، إذ كان والده قاضيًا شرعيًا وشيخ طريقة صوفية، الأمر الذي أسهم في تشكيل وعيه الديني والثقافي منذ الصغر. وقد حفظ القرآن الكريم ودرس علوم اللغة العربية والشريعة في سن مبكرة.
التحق الترابي بكلية القانون في جامعة الخرطوم، حيث درس الحقوق بين عامي 1951 و1955، ثم واصل دراساته العليا في الخارج، فحصل على الماجستير من جامعة أكسفورد عام 1957، قبل أن ينال دكتوراه الدولة في القانون من جامعة السوربون بباريس عام 1964. وكان يتقن عدة لغات، منها العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية، وهو ما ساعده على الاطلاع الواسع والانفتاح الفكري.

مسيرته الأكاديمية والفكرية

بعد عودته إلى السودان عمل الترابي أستاذًا في كلية القانون بجامعة الخرطوم، ثم تولى عمادتها، قبل أن يتفرغ للعمل العام. وقد عُرف بكتاباته الفكرية وإسهاماته في قضايا الفكر الإسلامي وتجديده، كما عُرف بقدرته على الجدل الفكري وإثارة النقاش حول قضايا الدين والسياسة والمجتمع.
كان الترابي من أبرز منظري الحركة الإسلامية في السودان، وقاد عددًا من التنظيمات الإسلامية التي لعبت دورًا مهمًا في الحياة السياسية، من بينها جبهة الميثاق الإسلامي ثم الجبهة الإسلامية القومية.

دوره في الحياة السياسية السودانية

برز اسم الترابي بقوة في الحياة السياسية بعد ثورة أكتوبر 1964م التي أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبود، حيث لعب دورًا بارزًا في النشاط السياسي والتنظيمي للحركة الإسلامية.
تقلّد عدة مناصب في الدولة، من بينها وزير العدل في عهد الرئيس جعفر نميري، ثم شغل مناصب سياسية أخرى لاحقًا، كما أصبح لاحقًا رئيسًا للمجلس الوطني (البرلمان) في فترة حكم الرئيس عمر البشير.
وفي نهاية التسعينيات نشب خلاف سياسي بينه وبين الرئيس عمر البشير، أدى إلى ما عُرف بالمفاصلة عام 1999، فأسس بعدها حزب المؤتمر الشعبي وأصبح في صفوف المعارضة، وتعرض للاعتقال عدة مرات خلال تلك الفترة.

شخصية فكرية مثيرة للجدل

كان الترابي شخصية ذات حضور قوي في الساحة الفكرية والسياسية، وتميز بآراء واجتهادات أثارت جدلاً واسعًا داخل السودان وخارجه. وقد جمع بين العمل الدعوي والفكري والسياسي، وكان له تأثير كبير في الحركة الإسلامية وفي النقاشات المتعلقة بالدولة والدين في العالم الإسلامي.
ورغم الجدل الذي أحاط بتجربته السياسية، فقد ظل شخصية ذات تأثير واسع، ويعدّه كثيرون من أبرز المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث، وصاحب دور مؤثر في تشكيل مسار السياسة السودانية خلال عقود طويلة.

الرحيل والإرث

 

توفي الدكتور حسن عبد الله الترابي في الخرطوم في الخامس من مارس عام 2016 بعد مسيرة امتدت لعقود من النشاط الفكري والسياسي. وقد ترك وراءه إرثًا كبيرًا من الأفكار والكتابات والتجارب السياسية التي ما زالت موضع دراسة ونقاش في السودان والعالم الإسلامي.
وبمرور السنوات على رحيله، يبقى الترابي أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ السودان الحديث؛ شخصية جمعت بين الفكر والسياسة، وأسهمت في صياغة كثير من التحولات التي شهدتها البلاد خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.

ماذا قالوا بعد رحيله؟

وعقب رحيل الدكتور حسن عبد الله الترابي في 5 مارس 2016 صدرت تعليقات كثيرة من سياسيين ومفكرين داخل السودان وخارجه، ركزت في جانب كبير منها على دوره الفكري والسياسي وتأثيره في الحركة الإسلامية وفي الحياة العامة. وقال الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير إن السودان فقد «عالِمًا ومفكرًا وسياسيًا كبيرًا»، مشيرًا إلى أن الترابي كان صاحب إسهام واضح في الفكر الإسلامي والعمل العام، وأنه ترك أثرًا في الحياة السياسية السودانية.

مفكر إسلامي مجدد

 

من جانبه وصف رئيس الوزراء الأسبق ورئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار الراحل الصادق المهدي، الترابي بأنه «مفكر إسلامي مجدد»، وقال إن رحيله يمثل خسارة للفكر والسياسة في السودان، مؤكدًا أن الرجل كان صاحب اجتهادات فكرية واسعة وأسهم في إثراء الحوار حول قضايا الإسلام والدولة.

 

بناء الحركة الإسلامية الحديثة

 

وقال النائب الأول الأسبق للرئيس البشير، علي عثمان محمد طه، إن الترابي كان «أحد أبرز العقول السياسية والفكرية في السودان»، وأنه أسهم في بناء الحركة الإسلامية الحديثة وفي تطوير خطابها الفكري والسياسي.
فيما أكد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية بأن الترابي «أحد كبار المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث»، وقال إن أفكاره واجتهاداته أسهمت في توسيع دائرة النقاش حول قضايا الإصلاح الديني والسياسي في العالم الإسلامي.
وأكد يوسف القرضاوي العالم الإسلامي المعروف إن الترابي «كان فقيهًا مجتهدًا ومفكرًا واسع الأفق»، مشيرًا إلى أنه قدّم إسهامات فكرية مهمة في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر.

 

تطوير الفكر الإسلامي السياسي

 

قيادات إسلامية عربية وأفريقية، وعدد من قيادات الحركات الإسلامية في العالم العربي وأفريقيا أشادوا بدور الراحل الدكتور حسن الترابي في تطوير الفكر الإسلامي السياسي، معتبرين أن الترابي كان أحد أبرز منظري الحركة الإسلامية في العالم خلال العقود الأخيرة. وركزت معظم الآراء على ثلاث نقاط رئيسية في شخصية الترابي: سعة ثقافته وتكوينه العلمي الرفيع. ودوره في تطوير الفكر الإسلامي المعاصر. وتأثيره الكبير في الحياة السياسية السودانية لعقود طويلة.
وبغض النظر عن الجدل الذي صاحب تجربته السياسية، فقد أجمع كثير من العلماء والمفكرين على أن الدكتور حسن الترابي كان شخصية استثنائية تركت أثرًا عميقًا في الفكر والسياسة في السودان والعالم الإسلامي.