
الطيب فراج يكتب: لكل مقام خطاب
أوبة
الطيب فراج
لكل مقام خطاب
حالة من الانفعال الغاضب اشتعلت في عدد من المنابر والوسائط، ليست بسبب الحديث الأخير المنقول عن د. الناجي عبدالله، بل لما تبعه من إشارات بدت خشنة حادة وردت في سياق رد الفعل عليه خلال مخاطبة احتفالية رمضانية لرئيس مجلس السيادة.
كلمات الرئيس البرهان، وإن جاءت تلميحا دون تصريح في الرد على الناجي، غير أن بعض التلميح أحيانا يغني عن التفصيل.
وما أراه أن تجاوز الواقعة أولى، وأن لا يراق فيها حبر كثير، وتطوى أوراقها ويغلق باب التداول فيها حتى لا تُستثمر داخليا وخارجيا في زيادة الأعباء على البلاد جيشا وشعبا، فتصرفنا تداعياتها عن الانشغال بتمتين الجبهة الداخلية والحفاظ على توافقها في مواجهة العدوان الذي لا يزال يتنقل على حدودنا من جميع الاتجاهات دون أن ينقطع عنه المدد الذي لا تخفى مصادره، مع تواطؤ المؤسسات ذات اللافتات (الحقوقية والإنسانية الدولية) التي لا تنصف مظلوما ولا تطعم جائعا إلا إذا قبل الركوع لمن يحرك الدمى التي على مسارحها ويدفع أجرها.
نحن الآن في ظرف متشابك الخيوط، وعلينا أن نتعامل بروية مع الواقع الذي يمر به السودان، وما قد يترتب عليه من آثار مما يجري في المنطقة، إذ نحن أمام عدو لا تحكمه قيم إنسانية ولا سقوفات أخلاقية دينية أو دنيوية، وتظاهره قوى كبرى على ذات شاكلته، وهكذا هو منذ أن تمت زراعته في المنطقة مثل سرطان شره يسعى للانتشار في كل كياناتها كيفما اتفق له، وقد تمكن من بعض أجزائها الهشة التي آلى حكامها على أنفسهم أن يتبعوه خوفا أو طمعا، حتى إذا دخل جحر ضب خرب دخلوا خلفه.
لقد أنضجت وعي الشعب السوداني ووجدانه وقائع التضييق والعدوان المتطاول عليه، وما كان ولا يزال يعيشه أهل العراق وأفغانستان وغزة واليمن وسوريا ولبنان، والآن إيران التي ظلت ترزح تحت حصار اقتصادي من أربعين سنة حتى أورث أهلها الفقر، وهي الدولة النفطية الغنية، وجريرتها أنها قالت لا في وجه الاستكبار ولم تقبل السير في قطيع من قالوا نعم. ومثلها فنزويلا مادورو الشجاع الذي لم يكسره التهديد والوعيد.
إن الشعب السوداني يعلم علم اليقين منذ زمان من عدوه وما غاياته، وقد نجح بتوفيق الله وهمّة أهله في تخطي كثير من الشراك المنصوبة، وسيبلغ مأمنه قريبا بحول الله وقوته.
لقد توالت عقود من العنت على أهل السودان، كابدوا فيها دسائس ومؤامرات العدو التي يشاركه فيها للأسف عدد ممن كان يظنهم أهل قربى ومودة، وقد تراكم عنده من خبرات التجارب ما يمكنه من معرفة أن لخطاب مؤسسات الدولة الرسمي مدى وحدودا محكومة بتدابير وتقديرات، غير الخطاب الشعبي التعبوي الحماسي التلقائي، حتى إن كانا يصدران من مشكاة واحدة.
إن هبة د. ناجي عبدالله وأنفاسه الحارة الصادقة لنصرة الحق والمستضعفين ليست بمستغربة عند من عرفوا تاريخه في سوح الجهاد مع رفاق الأمس الذين سطروا صفحات باذخة هي امتداد لتاريخ الأولين من البدريين ومن تبعهم، فما سمع هيعة للجهاد إلا كانت أولى خطاه هي تلبية المنادي بحديث من نار يتطاير شررها، يحفز من يواليه فيحتفي به، بينما يتحسب لعواقبه آخرون ممن تقيدهم تقديرات السياسة ومآلاتها، وهو مما لا شك أن له أيضا مرجعياته الموضوعية التي من المهم إعمال النظر فيها دون ارتياب أو رفضها إجمالا.
إن للإسلاميين أدبهم في المنابر ومواقفهم المعلنة والمعلومة من الاستكبار عبر تاريخهم، وهي أصل وفحوى وجودهم في المشهد السياسي، غير أن عليهم توخي الكياسة والفطنة في بعض مخاطباتهم وما يلابسها من ظروف حتى لا يحاصروا آخرين يتطلب خطابهم قدرا من الدبلوماسية، تجنبا للتضييق عليهم في ما ليس فيه سعة أصلا، مما يضطرهم إلى إعلان ردود فعل مستنكرة وإن كانت تدخل في باب الحيطة والحذر.
ومع ذلك لا أنكر احتفائي بما قاله الناجي، فهو لم يخرج عن الدعوة لنصرة أهل الحق والمستضعفين ورد الظالمين، وهو الخطاب الذي قاد إلى تحرير كل بقعة دنستها المليشيا والانتصار عليها في حرب الكرامة رغم عتادها ومرتزقتها المستوردين من أركان الدنيا. لكني أيضا أؤمن إن لكل مقام وظرف خطاب، فتحديات داخل الوطن لا يناسبها خطاب مؤازرة لمن هم خارج الحدود تحت لافتة يشتبه أو توحي أنها لمؤسسة رسمية لها تقديراتها في تكييف ما تعلنه من مواقف.
أرجو أنني قد أبنت ما أعني.