إسحق أحمد فضل الله يكتب: (القاموس)

مع إسحق

إسحق أحمد فضل الله

(القاموس)

 

كريستي، أشهر كاتبة روايات بوليسية، تصف درجات النفس.
وفي المشهد: الشاب يقتل صاحبته بالأسلوب المخادع هذا.
الشاب وصاحبته على الشاطئ، وهو يحل الحزام الحريري من حول وسطها ويجعله حول عنقها، ويقول مداعبًا:
«الآن سوف أخنقك».
وبينما هي تضحك كان هو يشد الحبل حول عنقها.
والشعور لذيذ. والشاب يشد الحبل، والشعور هو الضيق…
والشاب يشد، والشعور هو الاختناق الخفيف والسعال…
والحبل يشتد، والشعور هو السخط…
والحبل يشتد، والشعور هو الخوف…
والحبل يشتد، والصراع لإيقاف هذا…
والحبل يشتد، والإدراك فجأة أن القتل حقيقي…
والفرفرة، والذعر، و…
المشهد هذا هو مشهد العالم منذ الستينات. والغرب يعود لخنق العالم الثالث. ومشهد اليوم… أيام الحرب… هو الآن الفرفرة.
……
والناس تكرر قراءة وصف ابن خلدون لمجتمع الدول المنهارة؛ لأن ابن خلدون ينقل الأمر من صورة باردة يتصورها عقلك… صورة المجتمع المنهار… إلى صورة تراها عيونك، وتعيش أنت فيها ودخانها يخنقك.
ابن خلدون قال:
لما تنهار الدولة يكثر:
المنجمون/ والعرافون/ والمتسولون/ والمنافقون/ والمدعون/ والكتبة/ والداعرون/ والقوالون/ والشعراء/ والصعاليك/ وضاربو المندل/ وقارعو الطبول/ والمتفيهقون/ وقارئو الكف/ والساسة/ والمداحون والهجاؤون/ وعابرو السبيل/ والانتهازيون…
ويختلط ما لا يختلط، ويسود الرعب… ويلوذ الناس بمدافن الأموات… و… و…
هذا بعض ابن خلدون، والناس في كل زمان يضيفون إلى الأغنية المرعبة هذه إيقاعًا يناسب زمانهم.
ومنذ الستينات: التدرج ونمو الكوشة ما يرسمه هو.
في الملابس جاء الميني جوب، ثم الميكرو جوب، ثم الملابس المخرمة، ثم…
وفي السينما: المناجاة بين الحبيبين تصبح هي… ثم هي… ثم…
واللصوصية… نموذجها في السودان كان هو مشهد صاحب النميري، اللواء زين العابدين، وهو يحاكم أمين البريد لأنه اختلس عدة مئات من الجنيهات، والشعب يتابع المحاكمة والتلفزيون يبثها على الهواء.
كان هذا هو السودان… وكان العالم مثله.
……
والآن أخبار الأسبوع الماضي بعضها هو:
فرقة مخابرات تدخل مدينة تحت الأرض، وتدخل مصانع هناك محصنة إلكترونيًا بدقة، مما يعني أن الكبار جدًا هم أهلها.
والمصنع هو… (مسلخ) للأطفال.
لاستخراج الدم واللحم… دم ولحم الأطفال لتصديره؛ لأن كبار العالم يجدون، عبر الطب، أن خلايا الأطفال تحفظ شبابهم.
والجنود الذين اقتحموا المكان بعضهم يغمى عليه مما يرى…
والمصنع هذا هو واحد من آلاف المصانع الآن حول العالم…
……
وفي الأخبار:
طائفة دينية جديدة في المغرب تعيد عبادة الصنم (بعل).
والخبر الحقيقي هو:
في العالم الإسلامي اليوم لا أحد يلتفت إلى شيء تافه مثل هذا.
ومن صنع الطائفة هذه يعرف أن لا معنى لمائة أو مئتين حول حجر. لكن ما يريده هو (وجود) الصنم هذا هنا… ثم وجود عشرة… عشرين بعل في عشرين مكان… ثم شراء من ينتمون… ثم كتابات… ثم أفلام… ثم موجات ثقافية… ثم عشرة، عشرون عامًا… وتكون موجة صنمية جديدة قد نبتت في العالم الإسلامي.
والأخبار، والفيديوهات، والبرامج الجديدة تتمدد فيها موجة من حالة غريبة.
في عالم الحفريات والآثار يطلع في كل يوم من يقول:
وجدنا جزءًا من سورة كذا القرآنية موجودًا في لوح كُتب قبل خمسة آلاف عام…
وجدنا قصة كذا القرآنية في كتابات السومريين…
وجدنا… وجدنا…
والصراخ هذا، الذي هو نوع من الإسهال الآن، يصبح بعد سنوات من الطرق مسلمات ثقافية وأصولًا يبني (المثقفون) كتاباتهم عليها.
…….
والزراعات هذه تجد في شقوق المجتمع من يقبل بذورها…
والحنظل هذا لا يزرع في مكان واحد.
الحنظل هذا يزرع بأسلوب تشتيت حروف الكلمة… كلمة «حنظل» تزرع بطريقة غرس الحرف (ح) في مكان، وغرس الحرف (ن) في مكان، وغرس الحرف (ظ) في مكان، والحرف (ل) في آخر… حتى إذا نضج الأمر تلاقت الحروف هذه.
الخراب يتم بالأسلوب هذا…
هذا أعلاه هو الرسم بأسلوب ابن خلدون.
….
والرسم وحده هو شيء مثل الشعور بالألم، لا يكفي وحده للشفاء.
لا بد من شيء.
أما ما هو الشيء، فذاك شيء آخر…