
د. حسن محمد صالح يكتب: في ذكرى رحيل الترابي .. الشيخ الذي أسيء فهمه
موقف
د. حسن محمد صالح
elkbashofe @gmail.com
في ذكري رحيل الترابي .. الشيخ الذي أسيء فهمه
شارك أناس كثر في تأبين الراحل الشيخ الدكتور حسن الترابي في الليلة الثانية لرحيله. تباري المتحدثون والشعراء والأدباء قائلين في حقه كلمات الإنصاف والرثاء والتعزية والمواساة في فقده الجلل، وبكوه بالكلمات والقصائد مواسين شعبه وأمته من المحيط إلي الخليج. ولكن ما إن اعتلي المنصة الأستاذ موسي المك كور (الأمين العام للمؤتمر الشعبي جنوب السودان) حتى كان للكلام طعم ومذاق خاصان وللعبارات معان وإبهار ودهشة.
ولم يكن ذلك من فرط فصاحة المك كور زعيم الشلك، وهو كذلك، ولكن الانبهار مرده إلي عبقرية الترابي التي جعلته في وصل واتصال مع جنوب السودان حتي من بعد الانفصال، وجعلت الحزن عليه ممتدًا من حلفا إلى نمولي، حيث نصب الناس السرادق على الراحل وبكوه وأبنوه بكل اللغات واللهجات والرطانات. ومركز العبقرية في وصل الجنوب واتصاله الحميم مع الترابي أن البعض قد يتخيل غير ذلك، وفي الذاكرة وإلى وقت قريب والترابي هو (الأب الروحي) للمجاهدين الذين نازلوا الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب عبر عمليات صيف العبور والوعد الحق وكتائب الخنساء ومتحركات القعقاع وخالد بن الوليد، وقد كانت تلك الحروب والمواجهات كافية في أن تضع الحواجز الشخصية والسياسية بين الجنوبيين والترابي، ولكن الترابي لم يكن يجعل من قتال المتمردين غاية ولا هدفًا كما يفعل البعض ويعتقد، ولكنه كان يؤمن بتوازن القوي وبحوار (الند لنده). وعندما لاحت أول فرصة للحوار مع التمرد وقع مذكرة التفاهم مع الراحل دكتور جون قرنق دي مبيور، وقبلها بسنوات وقع اتفاقية الخرطوم للسلام مع مجموعة رياك مشار ولام أكول وأروك طون أروك. وقبل كل هذا شارك في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1967م ودعا لحق جنوب السودان في الحكم الفدرالي والتنمية واللحاق بركب الشمال في التعليم والصحة والخدمات.
وعندما تحدث موسى المك كور وهو قادم من جوبا لأداء واجب العزاء وصف للناس كيف استقبلت جوبا حكومة وشعبًا نبأ رحيل الشيخ الترابي، حيث عم الحزن المكان، ونعته رئاسة الجمهورية بدولة الجنوب، ونعته المعارضة في دولة الجنوب بقيادة الدكتور رياك مشار (والتي بعثت بوفد شارك في مراسم التشييع والعزاء). قال موسى المك كور إن أكثر عبارة قالها الناس في جوبا واستوقفته من بين العبارات الكثيرة التي رددها مثقفو الجنوب في دوائرهم ومحافلهم وقواهم السياسية أبلغ العبارات من بين ما قيل في نعي الرجل ووصف مآثره هي عبارة (الشيخ الذي أسيء فهمه) بضم الألف وفتح الياء. نعم لقد أساء الكثيرون فهم الشيخ ليس في اللغة والكلمات ولكن في الأفعال والمواقف، بما في ذلك دخوله السجن والبقاء فيه عندما جاءت الإنقاذ الوطني، وإدخاله السجن عقب توقيع اثنين من القيادات بحزبه مذكرة التفاهم مع العقيد جون قرنق، وهو كان يبحث عن السلام من خلال تلك المذكرة التي وجدت من البعض المتاجرات والمزايدات الرخيصة. نعم لقد أسيء فهم الشيخ الترابي، ولكن الشعب السوداني من حلفا إلي نمولي يحفظ له حقه ويعرف فضله علي بلاده ووطنه، ولا نامت أعين الجبناء.