موسى هلال .. اصطفاف وطني خلف القوات المسلحة

موسى هلال .. اصطفاف وطني خلف القوات المسلحة

تقرير: مجدي العجب

عاد اسم الشيخ موسى هلال إلى واجهة المشهد السوداني، لا بوصفه رقماً في معادلات الماضي فحسب، بل باعتباره فاعلاً يسعى لإعادة تموضعه داخل معركة يراها كثير من السودانيين معركة الدولة في مواجهة الفوضى. ثلاث لقاءات متتالية جمعته بقيادة الدولة؛ مع رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، وعضو مجلس السيادة الفريق ركن إبراهيم جابر، ومساعد القائد العام الفريق أول ركن ياسر العطا، في خطوةٍ قرأها مراقبون باعتبارها مؤشراً على تحركات سياسية وعسكرية تتشكل في صمت، لكنها تحمل دلالات عميقة في سياق الحرب الدائرة في البلاد. هذه اللقاءات لم تكن مجرد زيارات بروتوكولية عابرة، بل حملت في طياتها رسائل واضحة عن طبيعة المرحلة التي يمر بها السودان؛ مرحلة تتطلب ـ بحسب كثيرين ـ حشد كل القوى الوطنية تحت راية الدولة ومؤسساتها الشرعية. وفي هذا السياق، جاء إعلان موسى هلال استعداده لدعم القوات المسلحة والقتال إلى جانبها، ليضيف بعداً جديداً إلى معادلة الصراع، ويعيد طرح سؤال التحالفات والاصطفافات في معركة يصفها السودانيون بأنها معركة الكرامة والسيادة.

 

 

 

 

ويبدو أن القيادة العسكرية تمضي بخطى متأنية نحو توسيع دائرة التوافق الوطني حول القوات المسلحة، باعتبارها المؤسسة التي تتكئ عليها الدولة في معركتها ضد التمرد والفوضى المسلحة. فالحرب التي اندلعت لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى صراع حول بقاء الدولة نفسها، ما جعل كثيراً من القوى الاجتماعية والقبلية والسياسية تعيد النظر في مواقعها، وتقترب أكثر من خيار الاصطفاف خلف الجيش. وفي هذا المناخ، تكتسب تحركات موسى هلال أهمية خاصة، ليس فقط بسبب ثقله القبلي والاجتماعي في إقليم دارفور، وإنما أيضاً لأن إعلانه الاستعداد للقتال مع القوات المسلحة يأتي في لحظة تتسع فيها رقعة المواجهات، وتتجه فيها أنظار الجيش نحو استعادة السيطرة الكاملة على بقية المناطق التي ما زالت تشهد نشاطاً للمليشيات المتمردة. وبينما تتسارع التطورات في الميدان، تبدو هذه اللقاءات الثلاثة وكأنها ترسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب الأوراق، وتوسيع جبهة الداعمين لمؤسسات الدولة، في معركة يرى كثير من السودانيين أن حسمها لا يقتصر على السلاح وحده، بل يحتاج أيضاً إلى تماسك الجبهة الداخلية وتوحيد الإرادة الوطنية خلف القوات المسلحة.

 

بقاء الدولة

 

ويرى محللون ومراقبون للشأن السوداني أن اللقاءات التي جمعت الشيخ موسى هلال بقيادة الدولة تمثل تطوراً سياسياً وعسكرياً لافتاً في مسار الحرب، وتعكس في الوقت ذاته اتجاهاً متزايداً نحو توسيع دائرة الاصطفاف الوطني خلف القوات المسلحة. وبحسب هؤلاء، فإن إعلان هلال استعداده لدعم الجيش والقتال إلى جانبه يحمل دلالات تتجاوز البعد الشخصي، ليعكس تحولات أوسع داخل مكونات اجتماعية وقبلية مؤثرة، بدأت تدرك أن المعركة الجارية لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل معركة تتعلق ببقاء الدولة السودانية ومؤسساتها.
ويشير مراقبون جلست اليهم الوان إلى أن أهمية هذه الخطوة تكمن في التوقيت والسياق، إذ تأتي في ظل مرحلة تشهد فيها القوات المسلحة تقدماً في عدد من المحاور، بالتزامن مع مساعٍ سياسية وعسكرية لتوحيد الصف الوطني في مواجهة المليشيات. ويرى هؤلاء أن أي اصطفاف جديد للقوى الاجتماعية ذات التأثير الميداني يمكن أن يسهم في تعزيز موقف الجيش، خاصة في مناطق دارفور وكردفان التي ترتبط فيها التوازنات العسكرية إلى حد كبير بالبنية القبلية والاجتماعية.
كما يلفت محللون إلى أن اللقاءات الثلاثة مع رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان وعضوي المجلس الفريق إبراهيم جابر والفريق أول ياسر العطا تعكس رغبة رسمية في فتح قنوات تواصل مع مختلف الفاعلين في المشهد السوداني، بهدف توسيع قاعدة الدعم للدولة ومؤسساتها النظامية. ويضيف هؤلاء أن مثل هذه التحركات قد تمهد لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات، بما يخدم استعادة الاستقرار وفرض سلطة الدولة على كامل التراب السوداني.

 

ليست معركة الجيش وحده

ويقول الصحافي والمحلل السياسي قرشي عوض إن اللقاءات التي جمعت الشيخ موسى هلال بقيادة الدولة تعكس إدراكاً متزايداً لدى كثير من الفاعلين في الساحة السودانية بأن المرحلة الحالية تتطلب إعادة تموضع ووضوحاً في المواقف، خاصة في ظل ما تشهده البلاد من حرب تهدد بنيتها السياسية والاجتماعية. ويضيف قرشي في حديث ل (ألوان) أن إعلان هلال استعداده للقتال إلى جانب القوات المسلحة يحمل دلالات سياسية وعسكرية مهمة، لجهة أنه يعكس اتجاهاً متنامياً داخل مكونات اجتماعية مؤثرة نحو الاصطفاف مع مؤسسات الدولة، بعد أن اتضحت ـ بحسب قوله ـ طبيعة الصراع الدائر وأبعاده. ويرى أن هذه الخطوة قد تسهم في تعزيز موقف الجيش، خاصة في إقليم دارفور الذي ظل يمثل ساحة معقدة للتوازنات القبلية والعسكرية. ويشير إلى أن القيادة العسكرية، عبر هذه اللقاءات، تبعث برسالة مفادها أن معركة السودان ليست معركة الجيش وحده، وإنما معركة كل القوى الوطنية التي تؤمن بوحدة البلاد وسيادة الدولة. ويؤكد أن توسيع دائرة الداعمين للقوات المسلحة، سواء سياسياً أو مجتمعياً، يمكن أن يلعب دوراً مهماً في تسريع حسم المعركة وإعادة الاستقرار إلى البلاد.

 

صمود

 

اذاُ تبدو لقاءات موسى هلال مع قيادة الدولة أكثر من مجرد مشاورات عابرة، إذ تعكس ـ في نظر كثير من المراقبين ـ تحولاتٍ تتشكل بهدوء داخل المشهد السوداني، حيث تتجه قوى اجتماعية وسياسية مختلفة نحو إعادة تعريف مواقعها في خضم الحرب. وبينما تواصل القوات المسلحة معاركها في عدة جبهات، يظل توسيع دائرة الدعم الوطني أحد العوامل التي قد تسهم في ترجيح كفة الدولة واستعادة الاستقرار. وفي ظل هذه التطورات، تبقى الأيام القادمة كفيلة بكشف مدى تأثير هذه التحركات على مسار الصراع، وما إذا كانت ستفتح الباب أمام اصطفاف أوسع خلف القوات المسلحة، في معركة يرى كثير من السودانيين أنها لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الصمود واستعادة زمام المبادرة وبناء مرحلة جديدة من الاستقرار والوحدة الوطنية.