د. عمر كابو يكتب: فاروق أبوسن .. فيلسوف عاش بلا ضجيج أو تكلف
ويبقى الود
د. عمر كابو
فاروق أبوسن .. فيلسوف عاش بلا ضجيج أو تكلف
** حزن مقيم فرضه علينا رحيل الصديق والزميل والجار الحبيب شيخ العرب (فاروق) محمد أحمد عوض الكريم أبوسن، مدير إدارة الثقافة والإعلام الأسبق وأحد أبرز إداريي كرة القدم بولاية القضارف.
** فيلسوف اجتمعت على يديه كل أسباب الدعة والترف فركلها، واختار أن يعيش الحياة في أدنى مراتب البساطة دون ضجيج أو صنعة أو تكلف.
** فهو من ناحية ينتمي حسبًا ونسبًا لأكبر بيوت القضارف من جهتي الأب والأم، حيث منحه ذلك زخمًا خاصًا رفض استغلاله، فعاش عصاميًا رافضًا الاتكاء على مجد الأسلاف والأجداد.
** والده أحمد عوض الكريم، رئيس بلدية القضارف الأسبق، ابن شيخ العرب الكبير أبوسن (سيد الاسم)، ووالدته أم زين بنت فارس الشرق الشيخ أوفاش، جد الحبيب هشام التهامي.
** درس الثانوية في مدرسة بورتسودان التي انتسب إليها أفضل رموز المجتمع، فقد زامله فيها الأرباب صلاح إدريس أعظم رئيس مر ويمر على الهلال العظيم.
** ثم إنه خريج آداب جامعة الخرطوم في أوج بريقها وعظمتها، حين كانت بحق (جميلة ومستحيلة)، عسيرًا على الأفذاذ الالتحاق بها إلا من قويت عزيمته وبزخت إرادته.
** وورث مالًا كثيرًا لكنه رفض اكتنازه، فلم يبخل به على أحد من أهله وخاصته وأحبابه وأصدقائه، فقاسمهم الطعام والسكن وما اشتهته أنفسهم من متاع.
** وانتمى باكرًا لنادي السهم شيخ أندية القضارف، نادي آبائه المؤسسين، فخلد بصمة في العمل الإداري للمؤسسات الرياضية تستحق مؤلفًا يحكي فنونها وخططها وصبرها والإحاطة الإدارية والتعامل مع الأزمات والتفاوض وتسجيل اللاعبين.
** زاملته موظفًا في وزارة الثقافة والإعلام مديرًا لإدارة الشباب والرياضة، بعد فترة ناجحة أسس فيها السفير الصديق إدريس محمد علي لتجربة جد عظيمة محدثًا فيها حراكًا ثقافيًا واسعًا.
** ليأتي ويواصل ما ابتدره السفير من نشاط، خير خلف لخير سلف، جاء إليها من الأبيض التي كان مديرًا لذات الإدارة العامة للثقافة والإعلام حين كان الأستاذ المحامي محمد الحسن الأمين واليًا عليها.
** رافقته إذن في الوزارة عامين قبل أن أغادرها للمحاماة، فوجدت منه تعاونًا كبيرًا، لم يبخل عليّ برأي أو مشورة أو مبادرة.
** صاحب قدرة نافذة على رؤية الأشياء بصورتها المجردة، منحه ذلك قدرة استثنائية على التصور والحياد واتخاذ القرارات الصائبة السريعة.
** فاروق أبوسن كريم عاش لغيره، فتح منزله لأهله كافلًا أصحاب الحاجة واهبًا لهم كل ما يملك.
** أعظم ما في تجربته طاقته الفذة في امتصاص الأزمات وتحويلها إلى فرص نضج وتوسع وتطور وهمة.
** ملأ قلبه بيقين ثابت بأن ما كان له ما كان ليفوته، ولذلك رفض أن ينافس الدنيا على منصب فانٍ أو مال ضائع أو رزق حبيس.
** يعشق الصفا الذي هو حالة نادرة في بني الإنسان، ويحتويه الفرح، ويرى مدخله الأساسي الحب غير المشروط، غضّ النظر عن تصرفات الآخرين ورأيهم فيه.
** مدرسة في القبول بالآخر، فقد روض نفسه على الحرية والتناغم والصبر، حيث لا حاجة للوم الآخرين والتبرم من سلوكياتهم الخرقاء.
** نفس متسامحة، بحر من سماحة، عاش أسلوب حياة مليئة بالرضا والعطاء ورعاية ودعم المحتاجين.
** جار عزيز كريم سخي، ما وجدنا منه إلا كل خير، أسرع الناس سخاءً وأجودهم يدًا، وأطهرهم وجدانًا، وأعفهم مسلكًا.
** شجاع رفض إلا أن يواصل علاقاته الشخصية معي يوم فرضت السلطات الرسمية حصارًا مطبقًا عليّ — ذات خلاف سياسي — حينها تلفت فلم أجد غير أربعة رجال: محجوب أحمد موسى وكرم الله عباس الشيخ وفاروق أبوسن وهشام التهامي، كانوا يزورونني بلا خوف أو ضجر.
** برحيله فقدت القضارف أحد حكماء العمل الرياضي والثقافي والاجتماعي، ممارسة واقعية خالية من الانفعالات النفسية المؤذية المضرة.
** رحيل رجل ارتضى أن يعيش مسكينًا ليس من فقر، بسيطًا إحياءً لفضيلة التواضع، نبيلًا يترفع عن الإساءة والدنايا والصغائر، فيلسوف له فلسفته الخاصة في الحياة حيث لا صنعة ولا تكلف ولا ضجيج أو صخب.
** حزني عليه مقيم، أفتقده شقيقًا وجارًا وصديقًا مخلصًا وفيًا.
** أحر التعازي وصادق المواساة لأسرتيه (آل أب سن) و(آل أوفاش) و(لابنته) مسرة وأحفاده، فقد مثل لهم نعم الأب الروحي الحنين الرؤوف.
** صادق تعازينا لأسرة نادي السهم الذي مكث على رئاسته زهاء الثمانية أعوام، كان نموذجًا للرئيس الحكيم الصبور المحنك الخطيب الشجاع.
** وللأهل والعشيرة وعارفي فضله بالقضارف صادق التعازي والمواساة لفراق رجل أحب القضارف ورفض العمل في كسلا والخرطوم والأبيض، عاشقًا متبتلًا في محرابها.
** اللهم إنه عبدك سيدنا فاروق اصطفيته خير اصطفاء حين اخترته لجوارك في خير الشهور، في خير المواسم، موسم رمضان، فأكرم نزله بجنة عرضها السموات والأرض وأورده حوض نبيك إكرامًا لقلب لم يغتب ولم يحقد ولم يسخط على نعيم زائل، إنك الكريم السخي الوهاب.
** إنا لله وإنا إليه راجعون.